يا ربِّ أناجيك وأنا العبدُ الذليل، أنجدني يا ربّ.

أنا من قوم يعرفون كلّ ما تريده منّا، لكننا نسير وَفق ما نعتقد أنه الصواب، فسدّد خُطانا يا الله، نريد أن نحصل على حقوقنا وفق ما منحتنا من حقوق، لكننا نعتقد أن واجباتنا تقتصر على أن لا نؤذي أحدًا، وغالبًا ما نؤذي بعضنا بعضًا، فلماذا لا نحصل على حقوقنا بما منحتنا من حقوق حتى لو لم نقم بواجباتنا؟ نطالب بحُكمٍ يُرضي عدلك، ونريد أن تسري علينا العدالة الإلهية، لكننا لا نريد أن نحكم بشريعتك وقوانين تلك الشريعة، لأنها لا تتناسب وزمننا، لذلك نحن سننّا قوانينَ غيرَ قوانينك يا ربّ، وهي تتماشى مع التطورِ الذي نعيشه، ونملك دستورًا خاصًا بنا غير الذي منحتنا إياه، ونحن متفقون على الخضوع لأحكامه؛ لأننا يا ربّ نرى أنّ الدستور الذي أنزلته لم تعد أحكامُه تتناسب وزمننا، ونؤكد لك يا الله أننا سنداوم على قراءته، وسنضعه في جميع بيوتنا، ولن نتركه في رمضان، وذلك دليل على أننا قريبون منك، ونتوسل رحمتك التي لن ننساها في مصائبنا.

يا ربِّ أمرتنا ألا نستعين بكافر، ونحن لم نعد نستخدمْ مفردة (كافر) لذلك نحن اليوم يمكننا الاستعانة بمن نشاء وقتما نشاء، صار لدينا مجتمعٌ دولي، وهو يضمّ نخبةً من الدول العظمى التي اختلفنا معها في وقتٍ سابق، وتقاتلنا معها وقصفتنا بالقنابل والصواريخ، لكنه تبين لنا في وقتٍ لاحق أنهم يريدون لنا الخير، ويمكننا الاستعانة بهم في أيّ حركة تمرّدٍ تحصل في بلادنا، ونعلم أنه قد يموت مئاتُ الآلاف من المدنيين والأهالي، وتباد مدنُهم، لكننا نقضي على أولئك المتمردين الأوباش الذين لم نستطع مواجهتهم وحدنا.

ولدينا في زمننا يا ربّ علماءُ وشيوخٌ كثيرون، وهم شجَّعونا على تطبيق القوانين التي كتبناها، وقالوا: إنها جيدة، ولا بد من فصل دين الله عن الحكم، لأن الحكم يجب أن يكون مدنيًّا، ونحن بصراحة أحببنا الحكم المدنيّ، لأنه يتناسب مع أفكارنا، فصرنا رجالًا ونساءً نلبس ما يحلو لنا ونتصرف كيفما نريد، وإن كان لا يحقّ لنا محاسبة الحاكم إنْ ظلمَ أو إن سرق، وهو يحقّ له فعل ما يشاء بنا، دون رقيب.

لكنْ صرنا اليوم قمةً في الثقافة والرقيّ، وصارت المرأة تعامل معاملةَ الرجل، ولم يعد مجتمعنا ذكوريًّا، وليس هناك شيء اسمُه محرم، فالمرأة يحقّ لها أن تعيش كيفما تشاء، والرجل كذلك وكلٌّ منّا صار له كيانه الماديُّ الخاص، أي أنّ المرأة لن تضطر للزواج من رجلٍ يتحكم بها ويتشرط عليها ويقول لها: لا تلبسي القصير والبنطلون والبسي الحجاب، نعم يا ربّ شروطك على المرأة صارتْ حرية شخصية، وأوامرُك للرجل صارت تحرّرًا.

وأريد أن تسامحنا على أننا صِرنا نستحي من السلام كما كان يفعل الأنبياء، إذ إننا وجدنا أنّ هذا السلامَ معقّد، ومن يقول لنا «السلام عليكم» نقول عنه هذا إسلاميٌّ، ويجب أن يتطور ويسلّم كما يسلم مجتمعنا المثقفُ المتطور، فهذا المجتمع وصل مرحلةً متقدمةً جدًّا حتى إنّ المرأة المحجبة «التي تغطي رأسها» تشجّع الرقص والفن وإظهارَ الصدور، وتناصر المرأة التي لا تنساق خلف زوجِها الذي يريد سلب حريتها، فبعض الرجال اليوم يريدون أن تطيعهم نساؤهم! وهناك نساء لا يعرفْنَ حقوقهنّ للأسف.

نحن يا ربّ لدينا سياسيون نختارهم لحُكمنا، ولدينا رجالُ دين قريبون من السياسيين وجميعهم شركاء بسرقتنا وقتلنا وظلمنا، لكننا نستطيع انتخابَ غيرهم، وإن كان غيرهم مثلهم، لكننا يمكننا التغيير ولنا حق الاختيار، وهذا الحق لم يكن موجودًا في بدايةِ ظهورِ الإسلام، لم يكن هناك انتخاباتٌ وحرية اعتقاد وحرية عبادة، فنحن يا ربّ أقرب إليك وإلى دينك، وندعوك كثيرًا، وندعو على من نختارهم بالهلاك، لأننا يا ربّ ديمقراطيون، ولا ندافع عن سارق وظالم حتى وإن كنّا صوَّتنا له.

نحن قومٌ يا ربّ لا نؤمن بالمعجزات ولا نقتنع بها، ولن نقاتل لاسترجاع حقنا حتى وإن أبادَنا الغير، ونحن نعلم جيدًا أنّهم يبيدوننا حتى يضطرونا لقتالهم وليقولوا عنّا «إرهابيون» ونحن لا نريد لدينك أن يقال عنه: إنه يشيع الإرهاب في العالم، لذلك نريد منك يا الله أن تخلق معجزة وتدفع عنا الغزاة والظالمين القاتلين الأوباش؛ لأننا يا ربّ نعلم أنك تنصر المؤمنين، ونحن مؤمنون بدينك حتى وإن لم نحتكم له، ولن نطبق ذلك لأننا تطورنا كثيرًا، وهؤلاء يريدون إيقاعنا في فخ الإرهاب والتطرف، ولن ينجحوا حتى وإن متنا كلنا وأُبيد نسلنا، فحقّقْ يا ربِّ معجزاتِك التي لا نؤمن بها.