إذا تتبّٙعنا المصادر التي من الممكن للقرآن أن يصدر عنها، أو بمعنى أدق الاحتمالات التي نُسب القرآن إليها سواء ممن آمن به أو ممن كفر به، سنجدها كالآتي:

«يقولون إنما يُعلمه بشر» النحل: ١٠٣

«تنزّٙلت به الشياطين» الشعراء: ٢١٠

«أساطير الأولين» الفرقان: ٥

«أنزله الذي يعلم السرّٙ في السماوات والأرض» الفرقان: ٦

«إن هذا إلا إفكٌ افتراه» الفرقان: ٤

ولعل أكثر هذه الاحتمالات قبولًا عند من أراد أن يقدح فيه؛ هو الاحتمال الأخير: أي أن محمدًا هو من ألّٙفه ونظم كلِمٙه؛ لأن بقية الاحتمالات أيسر ما تكون عند الرد عليها وتفنيدها، ونحن نرى أن القول بها قد تلاشى مع الزمن ولم يبق إلا الاحتمال القائل بأنه من تأليف محمد. لذا سننظر إلى هذا الاحتمال من منظورٍ قلّٙما يفطن إليه أحدٌ عند الدفاع عن القرآن وعرض دلائل قُدسيته. فلو أُتيح لأحد من الناس أن يقرأ القرآن قراءة واعية مُتدثرًا بثوب الإنصاف والمصداقية؛ لوجد فيه عجبًا عُجابًا!

سيجد القارئ أن الذات المحمدية التي يتهمونها بتأليف هذا الكتاب تشغل فيه حيزًا ضئيلًا، إذ نادرًا ما يتحدث القرآن عن تاريخ محمد الإنسان!

إن آلامه العظمى ومسرّٙاته لم ترد فيه قط، فلو كان الرجل بصدد تأليف كتاب من المتوقع أن يُكتب له الخلود، لكان أولى به أن يُخصص جُلّٙ هذا الكتاب في الحديث عن نفسه وعن المعاناة التي لاقاها في طريق دعوته.

ولو تخيلنا النازلة التي أصابته في أوج دعوته بفقد عمه وزوجه، لأدركنا مدى الدوي الرهيب المُفترض أن يكون بعد حدث كهذا، في حياة رجل كان لآخر لحظاته يبكي أبا طالب وخديجة، حين يُذكر اسماهما أمامه، وعلى الرغم من ذلك لا نجد صدًى لهذا الحدث في القرآن.

بل الأعجب أننا لا نجد حتى اسم خديجة في القرآن، هذه الزوجة الحانية التي تقبلت في حجرها انبثاق الإسلام الوليد.

وحادث بحجم رحلته إلى الطائف وما ناله فيها من أذًى، فقد استُهزئ به ورُمىٙ بالحجارة من العبيد والصبيان حتى أُدميت قدماه، كل هذا نتيجة لتوسله إليهم: أن اعبدوا الله واتقوه.

وبعد كل ذلك لا نرى في القرآن ما يصف لنا هذا المشهد المؤلم، ولا نجد ما يُصور لنا مدى عظمة هذا الرجل وبذله لنفسه وتحمله الآلام في سبيل الدعوة، وهذا هو المتوقع لو كان هذا الرجل يُسجل كتابًا عن سيرته الشخصية. بل على الجانب الآخر، نجد في القرآن ما لا يُصدق عقلٌ صريح أنه كُتب بواسطة هذا الرجل المقصود بالعتاب.

«عبس وتولى، أن جاءه الأعمى» عبس: ١-٢

«وتُخفي في نفسك ما الله مُبديه وتخشى الناس والله أحقُّ أن تخشاه» الأحزاب: ٣٧

«ولو تقوّٙل علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحدٍ عنه حاجزين» الحاقة: ٤٤-٤٧

فهل يُعقل أن يكتب أحدٌ كتابًا، ويُعاتب نفسه بنفسه كما في تلك الآيات؟!

أم هل يُعقل أن يؤلف أحد كتابًا ويذكر فيه كلّٙ شيء؛ من الذرة في باطن الصخرة الصماء، إلى النجوم في أفلاكها، ويتقصى أبعد الجوانب المظلمة في القلب الإنساني، فيتغلغل في نفس المؤمن والكافر بنظرة تلمس أدق انفعالات النفس البشرية، ويتجه نحو ماضي الإنسانية البعيد، وإلى مستقبلها المُنتظر، ويُعلمها واجبات الحياة، ويرسم لوحة جذابة لتتابع الحضارات.

وبعد كل هذا ينسى أن يجعل لنفسه نصيبًا في تلك الملحمة؟!

لا والله، لا يملك المُنصف إلا أن يشهد أن الذات المحمدية ما هي إلا واسطة لعلم غيبي مُطلق، «وإنه لتنزيل رب العالمين». الشعراء: ١٩٢