«يظل الرجل طفلًا حتى تموت أمه فإذا ماتت؛ شاخ فجأة».

لم يكن ذلك الوداع المشهد الأول الذي أرى فيه فوضى الفقد، لكنه كان الأكثر قسوة على الإطلاق، قد ماتت جدتي، وجه أمي شاحبًا كلون عباءة مشبعةٍ بمادة الكلور، يداها ترتجفان بل جسدها كله، شفتاها متيبستان، صوتها الناشف يذوي كصاروخٍ قد انفجر في قلبي «يما»، وكانت مقدار حركة المد ألف مدة. فقد كانت للتو تقول لها إنها إذا أكلت شوربة الخضار فسوف تصنعُ لها «الكيك» حينما تخرج، لكن الملعقة سقطت.

تميلُ كساق نعناع تمسح وجه أمها الممتدة كخشبة على خشبة، تارة تمسحه بيدها وتارة بوجهها، تُقبل يداها الباردتين، وجنتها وشفتيها، تُعاتبها بدمع الحنين بأن لمن تركتها؟! لم أكن أستطع الاقتراب؛ فإني كالثلج أذوب حين يلفحني هواء الحزن، دهشةٌ أصابتني فضممت جسدي بكلتا يدي، دسستُ رأسي في صدري وتساءلت: أي بؤسٍ هذا؟ لماذا تعاتبُ أمي أمها برحليها؟ لماذا ترجوها رجوع باستعطاف أن لا أحد لها بعدها؟ أوليس نحن لها؟! ثم قلت: إن أمها أحب إليها منا!

لم أكن أعي أن الفقد مؤلمًا إلى هذا الحد اللامتناهي، ما أبشعه! أدركته حين ماتت جدتي زاهية صاحبة الوجه الثلجي والعينين الزرقاوين حينها قد كبرت أمي، قد شاخت.

تقول الكاتبة الكويتية بثينة العيسى «عندما نفجع بالفقد تثقب أرواحنا، هذا ما يحدث بالضبط، شيء يشبه الندبة غير المرئية عالق في أعمق بؤرة في الروح، تبث أغنيات حزينة في الفضاء، كم كانت أغنيتي أليمة!« «بتصرف»

نعم كانت أغنية أمي أليمة، فكانت – ومازالت -كالصغار كلما ذهبنا إلى مكان ما، وكانت هناك سيدة كبيرة في السن تقول فيما بعد تنهيدة: ماذا لو كانت أمي حاضرة، ثم تبكي، كلما نذهب إلى بيت جدي تنظر إلى صورتها المعلقة على حائط المبكي وتقول: ماذا لو كانت أمي حاضرة، ثم تبكي، كلما ألقيتني على كتفها الإسفنجي تقول: ماذا لو كانت أمي حاضرة، ثم تبكي، وثمة أشياء أخرى.

لم تكن أمي وحدها من كوتها نار الغياب، كتبت ذات يوم صديقتي التي توفيت أمها دون سابق إنذار في موقع التواصل الاجتماعي -فيسبوك- «ماتت أمي فمات كل شيء»، والأخرى المتوفية أمها بداء السرطان كتبت «نُقلت رحمة الله إلى رحمة الله»، وكثيرون.

لربما أني لم أعِ حتى اللحظة ماذا يعني أن أكون أمًا؟ كيف يرتكبن كل هذا الحُب؟ لكني أيقنتُ جيدًا في وقتٍ لاحق أن كيف لك أن تكون ابنًا دون أمه، وكذلك بعد أن تركتنا أمي وحدنا لفترة ليست بقليلة، قد كنا كمسمار صدئ، كبيت مهجور، كفستان مثقوب، كرقم صفر يتبع رقم، كتفاحةٍ متعفنة، كدجاجة مصابة بإنفلونزا الطيور يرفسها كل من رآها أمامه، فقد كنا ككل شيء إلا كشيء حي.

لم يعد أحد يركضُ وراءنا يدسُ الخبز المحشو بالبيض في أفواهنا فرضًا، لم يعد أحد يركضُ وراءنا يدس الجاكيت في ذراعينا فرضًا، لم يعد أحد يلوح لنا بيده حينما نخرجُ في الصباح ثم يتبعها بقبلةٍ، لم يعد أحد يسرحُ شعرنا كممثلي السينما في الستينات فننفجر ضاحكين، لم يعد أحد يقصُ علينا بأحسن القصص، لم يعد أحد يصنعُ لنا كوبًا من الشاي، يفتح باب الغرفة مبتسمًا يضعه على المكتب فيُشرح صدرنا، لم يعد أحد يغطي جسدنا المتكور كجنين في السرير، لم يعد أحد يشترى لنا الحلوى، لم نعد نمص أصابعنا بعد الغذاء، لم يعد أحد يهددنا باللاحب إذا لم نصل العشاء، لم نعد ننادي «يما» بعد أن نعود من الخارج فنشعرُ بالأمان المفرط، لم يعد كل هذا وغيره، لم يعد أحد لنا، لم نعد نحن لأنفسنا.

فحينما تذهب أمك من سيطوف حولك مرتعشًا خائفًا حينما تمرض، من سيضعك على صدره يطبطب آهك، من سيركض كالمجانين يرتدي حذاءه ولربما لا يكونا متشابهين ثم يخرجُ صوت أحدهم ببرودٍ من بعيد يقول لها: حذاؤك غير متشابه، من سيغفو على الكرسي البلاستيكي بجوارك يضع لك «فوط» الماء البارد، من سيقيسُ حرارة جسدك فكلما زادت زادت حرارة قلبها وكلما انخفضت انخفضت حرارة قلبها، من سيؤلمه ألمك؟!

من سيطوف حولك عاشقـًا بهيًّا حينما تنجح، من سيطوف حولك راقصًا حينما تفرح، من سيطوف حولك كضماد حينما تُجرح، من سيطوف حولك بآذانه الصاغية حينما تشكو ولا يمل، من سيطوف حولك راجيًا، من سيطوف حولك داعيًا، من سيطوف حولك خاشعًا، من سيطوف حولك كجدار حماية كي تدخل الرصاصة صدره، من سيطوف حولك وكل هذا بلهفةٍ، من سيفعل؟!

فصدقًا إن «الدنيا أم»، لذلك أُخرج رأسي من كوة الشباك كل مساء كقطة أموء إلى الله أن يحفظ الأمهات؛ فلا يمتن على الرغم من علمي أنها لحماقة، الموت حق ، فإنا لله وإنا إليه راجعون، لكن فكرة الفقد تفقدني اتزاني فأفقد السيطرة على صوتي – أن أوقفه عن رجفة بكائه- فأصرخُ بضعفٍ: لماذا تموت الأمهات يا الله؟! لماذا تموت؟!

في الختام لربما كانت هناك ثمة مشاعر وددتُ كتابتها لكن البكاء قد استوقفني، استنزفني فلم أستطع كتابة أكثر من ذلك، ولكن وددت قول إن من لا أم له فإني أمه.