طرح الفيلسوف والزعيم الروحي والقائد السياسي للبوسنة علي عزت بيجوفيتش -رحمه الله- في كتابه هروبي إلى الحرية ثلاثة تساؤلات لعلها تدور في مخيلتنا جميعًا ولكننا نأبى التصريح بها أو نتهرب من مناقشتها، وكانت أسئلته هي:

1- لماذا لا تكون شعوبنا الإسلامية التي تقوم صلاتها على النظافة وترتبط بالمراجعة الدقيقة للوقت مثالاً للدقة والنظافة؟!

2- ولماذا لا تصبح شعوبنا الإسلامية التي تصوم رمضان وتمتنع عن الطعام والشراب لمدة ثلاثين يومًا في العام مثالاً للمبدئية؟ لماذا لم تحولهم التجربة الصعبة والقاسية «صوم رمضان» خلال أربعة عشر قرنـًا من النظافة والدقة والمبدئية إلى طبيعة أخرى أو حتى إلى ذهنية دائمة؟!

3- وبوضوح أكثر لماذا لم يتحول التزامنا بالنظافة والتوقيت الدقيق للصلاة والصبر على الجوع شهرًا كل عام إلى التزام جماعي بالنظافة واحترام الوقت وإدراك أهمية الصبر في مختلف مجالات حياتنا؟!

ثم بعد طرحه لهذه التساؤلات قال: من يقدم لي جوابًا مقنعًا عن هذه الأسئلة يستحق جائزة نوبل!

ولعلنا إذا ما اجتهدنا في البحث المتعمق الهادئ عن إجابات لتلك الأسئلة لاستحققنا ما هو أفضل من جائزة نوبل؛ لاستحققنا حريتنا وكرامتنا المسلوبة منا منذ أمد بعيد، ولتمكنا من تغيير واقعنا البائس الذي نحياه، والذي باءت كل محاولات تغييره بالفشل الذريع. ربما لأننا نعالج العرض لا المرض، ونهتم بالمظهر لا الجوهر، وقد نتمكن قبل كل ذلك من فهم أدق لديننا الحنيف، تلك الرسالة التي لم نقدرها حق قدرها، وهو ما سنحاول بيانه بما يتسع المقام لذكره.

دائمًا ما كانت تستوقفني تلك الآية «قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ».

فجاء التفريق واضحًا بين الإيمان والإسلام، والبعض اعتبر الفرق بينهما كالفرق بين الجوهر والمظهر، فالإسلام هو ما يظهر من معاملات وعبادات بينما الإيمان هو النوايا والقلب الذي يقف محركًا خلف هذه المعاملات والعبادات؛ ذلك القلب الذي ينجينا يوم لا ينفع مال ولا بنون «إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ».

هنا يتضح الشرخ الذي أشار إليه بيجوفيتش، ذلك الانفصام بين روح الدين وجسد الدين، بين القلب والجوارح، والسقوط في واحدية، فإما تجد من يتمتع بالأخلاق ولا يقيم صلاة ولا يدفع زكاة ولا يصوم، أو تجد من يفعل كل ذلك ويعجبك قوله ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام!

والسبب الرئيسي لذلك هو غياب الإنسانية، والقراءة الإنسانية لا تجعلنا أسرى مسألة التقديس التي تجعلنا نبالغ في تقدير بشر مثلنا، ثم سرعان ما نحط منهم إذا ما بدا منهم أي ضعف أو خطأ، تلك النزعة التي تجعلنا لا نلتمس أعذارًا ونرى الحياة إما أبيض وإما أسود، إما مع وإما ضد، إما ملائكة وإما شياطين، بل ربما تدفعنا إلى جلد أنفسنا حتى نصل لمرحلة اليأس من روح الله تعالى «إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ» فنصل للكفر دون أن نشعر!

وقد استمعت لقصة مجازية ألقاها شيخ أثناء عقد قران عن صديق تحمل مرارة العنب الذي أهداه له صديقه دون أن يعترض أو يبدي امتعاضًا حتى إذا ما علم صديقه بذلك تعجب منه فكان رده: لقد أكلت منك حلوًا كثيرًا أفلا أغفر لك بعض المر! تلك هي النزعة الإنسانية التي قلما تجدها.

والإشكالية التي نعانيها حقًا أننا بين مطرقة الماضي الذي نتغنى بعظمته، وسندان المستقبل الذي نتطلع لروعته، وتنفلت من بين أيدينا لحظات الحاضر الذي أصبح بائسًا لا نرغب في تحمل مسؤوليته!

والغريب في الأمر أن الماضي لم يكن بتلك الروعة، والمستقبل لن يكون مدينة فاضلة أبدًا، وذلك التصور الساذج عن إمكانية تحقيق فردوس أرضي في الماضي أو المستقبل سرعان ما يتبخر عند أول صدمة، لذلك يتأرجح الناس بين نزعة تصوف هربًا بالدين أو نزعة فجور هروبًا من الدين!

ولا حل لذلك التأرجح إلا بفهم الطبيعة المزدوجة في الإنسان «روح/جسد»؛ ليصبح حله في تلك الحركة المزدوجة التي تبدأ بسعي الإنسان نحو الله ثم عودة رحمة الله وسكينته لتنزل على قلب الإنسان.

إذن ما ينقصنا هو مزيد من الإنسانية والرحمة والتراحم فيما بيننا، وتفهم لطبيعتنا البشرية وضعفنا البشري بحيث نتعامل مع أنفسنا كما تعامل القرآن معنا، فالقرآن يتناول الغرائز متفهمًا لا متهمًا، ميسرًا لا معسرًا، مبشرًا لا منفرًا، مشجعًا لا مثبطـًا، محفزًا لا محقرًا، في محاولة لجعل الإنسان إنسانًا لا ملاكًا. فللأسف كثير من الدعاة يعتقد أن زيادة نزعة التقديس في حياة البشر قد تجعلهم ملائكة وهو مراد الله! ويتوهمون أن الصحابة – رضوان الله عليهم- ما بلغوا تلك المراتب العلا إلا لرهبانية ابتدعوها!

في حين أن الفرق بيننا وبين الصحابة لم يكن إلا أنهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فهم لم يكونوا ملائكة وكانوا يخطئون مثلما نخطئ تمامًا، ولكنهم كانوا رجالاً يعترفون بالذنب ولا يخافون في الله لومة لائم. أما نحن فاعتدنا النفاق، اعتدنا أن نظهر عكس ما نبطن، وأن نخفي عكس ما نعلن، ولا أقصد بالقول هنا أن يسير الناس في الأرض يفضحون أنفسهم إذا ما أذنبوا – فإذا بليتم فاستتروا- إنما كل ما أقصده أن يتوقفوا عن الحكم على الآخرين في محاولة لإسقاط كافة خطايانا عليهم فقط لمجرد إشعار أنفسنا أننا بخير وأن العيب في الآخرين لا فينا، ولو أن هؤلاء الآخرين قد قتلوا أو عذبوا أو ماتوا فإننا سنتمتع بالفردوس الأرضي الذي طالما حلمنا به، تلك الرغبة في التناسق والإحساس بالأمن واليقين المؤكد الذي لا تشوبه شائبة عبر الاصطباغ بلون واحد وعدم قبول الاختلاف وهو ما يمكن أن نسميه دكتاتورية شعبية تشكل الجذور الاجتماعية للديكتاتورية السياسية. ولا يمكن أن نتخلص من ديكتاتورية سياسية قبل التخلص من جذورها الاجتماعية الموجودة فينا وفي بيوتنا وتعاملاتنا مع بعضنا بعضًا، ولن يتأتى ذلك إلا بالانطلاق من رؤية إنسانية، ولا نقصد بالإنسانية أن نتبنى أيديولوجيا غربية لنطبقها على الدين، ولا نعني بها تمييع أحكام الدين وحدود الله، إنما كل ما نقصده بها هو فكرة التوازن مع الذات ومع الطبيعة، ومفهوم الإنسانية المشتركة «إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى» «حديث شريف».

وإذا انطلقنا من فهم إنساني للإسلام فلن نجد اختلاف لأنه دين الفطرة ودين الإنسانية، ولكن بالقطع فإن قراءاتنا ستختلف، وإذا ما اختلفت القراءة اختلف الفهم، وإذا ما اختلف الفهم اختلف العمل، مما يجعلنا نصل للنموذج الفعال الذي به يمكننا أن نحدث تغييرًا في حياتنا لكي تكون كما أرادها الله حقاً، لنصبح بحق وفي واقعنا خير أمة أخرجت للناس وليس مجرد آية نرددها في صلاتنا، هنا تتحول العبادات إلى التزام جماعي بالنظافة واحترام الوقت وإدراك أهمية الصبر في مختلف مجالات حياتنا.

والله أعلم.