لابد لنا أولًا أن نراجع أو نفسر سبب تخلفنا، هناك عدة تيارات استحوذت على الساحة، لكن يوجد تياران بارزان: تيار المحافظين (المشايخ)، وتيار دعاة الحداثة (العلمانيين)، وبدراسة أفكارهم نجد أن المحافظين يجرون الإسلام إلى الوراء نحو الماضي، بينما الآخرون يقحمون الإسلام في متاهات مستقبل أجنبي.

وبالرغم من هذا الاختلاف، فإن هذين النوعين من الناس بينهما شيء مشترك، فكلاهما ينظر إلى الإسلام من زاوية ضيقة، حيث لا يرى فيه إلا دينًا مجردًا، وهذا سوء فهم جسيم للإسلام باختزاله إلى مجرد دين، وهذه فكرة خاطئة تمامًا. وأدى هذا الفهم الضيق للإسلام إلى إخفاق كبير في فهم روح الإسلام ودوره في التاريخ وفي العالم.

الإسلام دائمًا ما يدعو إلى الجمع بين الإيمان والعلم، بين الأخلاق والسياسة، بين المثل العليا والمصالح، والاعتراف بعالمين: العالم الطبيعي، والعالم الروحي الجواني.

وانطلاقًا من وجهة النظر التي تذهب إلى أن الإسلام مجرد دين، سنرى أن المحافظين يستنتجون أن الإسلام لا ينبغي أن يسعى لتنظيم العالم الخارجي، ونرى دعاة الحداثة يستنتجون أن الإسلام لا يستطيع تنظيم العالم الخارجي، والنتيجة العملية واحدة.

إذن الفكر المتحفظ في العالم (المشايخ) جعلوا من أنفسهم طبقة منظمة هيمنت على تفسير الإسلام ووضعت نفسها وسيطًا بين الإنسان والقرآن. ولأن العقيدة الإسلامية في نظرهم قد تنزلت، وتم تفسيرها بصفة نهائية، ولا يحق لنا تجديدها، علمًا أن العقيدة الإسلامية تم تفسيرها منذ ألف سنة أو أكثر. وبهذا المنطق المتحجر أصبحوا أعداء أشداء لكل جديد، فأي محاولة لتطبيق مبادئ القرآن على المواقف المستجدة يواجهها هؤلاء بالطعن في سلامة إيمان أصحاب هذه المحاولات. إن هؤلاء الذي يسمون أنفسهم شراح العقيدة أو حراسها قد جعلوا من هذا وظيفة مقبولة ومربحة، ودون وخز من ضمير وصلوا إلى وضع رضوا فيه باستبعاد العقيدة عن مجالات تطبيقها في الحياة.

أما أولئك الذين يدعون بالتقدميين أو العصريين أو المستغربين إلى غير ذلك مما يسمون به أنفسهم، فإنهم يمثلون في الحقيقة سوء حظ هذه الأمة المسلمة. إنهم ذوو نفوذ وتأثير ويهيمنون بشكل ملحوظ على الحكومات وعلى التعليم وعلى وسائل الإعلام وبالتالي الحياة العامة. وهم يرون في فئة المحافظين تشخيصًا للإسلام، ويدعون الآخرين إلى أن ينظروا النظرة نفسها. وأصبحوا يتخيلون أنهم بتخريب الأفكار المحلية والتقاليد والمعتقدات وبتقديم أفكار غربية سيقيمون أمريكا – التي يكنون لها إعجابا مبالغًا فيه – على أرض بلادهم في يوم وليلة. إنهم بدلا من تطوير إمكانات بلادهم الخاصة ذهبوا ينفخون في شهوات الناس ويضخمون رغباتهم المادية، وأفسحوا بذلك الطريق أمام الفساد والفوضى الأخلاقية، إنهم لم يستطيعوا أن يفهموا أن قوة العالم الغربي لا تكمن في طريقته في الحياة وإنما في طريقته في العمل، وأن قوته ليست في الموضة والإلحاد وأوكار الليل وتمرد الشباب على التقاليد، وإنما تكمن في الكدح الذي لا مثيل له، في المثابرة والعلم والشعور بالمسئولية التي تتميز بها شعوبهم.

فإذا تأملنا مليا في أفكارهم نجد – لدهشتنا – نماذج لا يصدقها عقل في قصر نظرها وارتجالها.

خذ لذلك مثلا مصطفى كمال أتاتورك الذي كان قائدا عسكريا أكثر منه مصلحا ثقافيا، ففي أحد برامجه الإصلاحية منع لبس الطربوش، وطبعا ظهر على الفور أن تغيير غطاء الرؤوس لا يعني تغيير ما في هذه الرؤوس ولا تغيير عادات أصحابها. للتوضيح أكثر نأخذ على ذلك مثال قائم على نموذجين هما اليابان وتركيا، فقد كانت الدولتان تمثلان إمبراطوريتين قديمتين، كلاهما وجدت نفسها على المستوى نفسه من التطور، كلاهما يمتلك ماضيا باهرا، وهكذا كانت فرصتهما في المستقبل تكاد تكون متساوية.

ثم جاءت الإصلاحات المشهورة في كل من الدولتين؛ اليابان – فلكي تستمر في الحياة بطريقتها الخاصة وليس بأي طريقة أخرى – حاولت أن توحد بين تقاليدها الخاصة وبين متطلبات التقدم، بينما اتجه التقدميون دعاة الحداثة في تركيا إلى سلوك الطريق المعاكس (فتخلوا عن تقاليدهم واندفعوا في طريق التغريب). فماذا كانت النتيجة؟ أصبحت تركيا من الدرجة الثالثة، بينما اليابان ارتفعت إلى القمة بين أمم العالم. إن جوهر كل حضارة أو تقدم إنساني يكمن في الاستمرارية وليس في التخريب والتنكر للماضي. قد يبدو النموذج الذي قدمه أتاتورك مفجعا، ومع ذلك فإنه يمثل النمط الغربي لفهم مشكلات العالم الاسلامي، كما يمثل الطريقة التي يفكر بها الغربيون والمستغربون لإصلاح هذه المشكلات. فما الذي يعنيه استقلال دولة مسلمة وقعت إدارة حياتها العامة في أيدي هذا النوع من الناس؟ وما الذي استفاده الشعب من هذا الاستقرار والحرية؟

إن كل دولة بتقبلها هذه الطريقة من التفكير الاجنبي معتمدة على الدعم السياسي الاجنبي سواء من الشرق أو الغرب فقد أذعنت للعبودية من جديد.

إن كل نجاح أو إخفاق لاي شعب مسلم ما هو إلا انعكاس لفهمه للإسلام وكيفية تطبيقه في الحياة. لقد كان ضعف تأثير الاسلام في الحياة العملية للمسلمين مصحوبًا دائمًا بانحطاطهم وانحطاط مؤسساتهم السياسية والاجتماعية، وتاريخ الإسلام كله منذ بدايته إلى يومنا هذا يؤكد هذا التطابق، كأن هذا التطابق هو المصير الذي لا مناص منه للشعوب المسلمة وأحد قوانين التاريخ الإسلامي نفسه.

فما الذي يمثله المسلمون اليوم في العالم المعاصر؟ هذا السؤال يمكن وضعه بطريقة أخرى إلى أي مدى نحن مسلمون؟!

إننا إذا استمسكنا بإسلامنا استمساكا حقيقيا لا يمكن استعبادنا أو إيقاعنا في الجهالة أو تجهيلنا أو تمزيق وحدتنا، لا يمكن أن نرتد عن الاسلام، لقد جاءت هزائمنا ابتداء من غزوة أحد حتى هزيمتنا في سيناء لتؤكد هذه الحقيقة عندما نتخلى عن الإسلام يتخلى النصر عنا، وتتجلى ظاهرة التخلي عن الإسلام وهجره بوضوح في طريقة تناولنا اليوم للقرآن وهو الفكرة المركزية في الأيديولوجية الإسلامية والممارسة الإسلامية.

إن الإخلاص للقرآن لم يتوقف، ولكنه فقد خصوصيته الفاعلة، لقد استبقى الناس في أفئدتهم من القرآن ما أشيع حوله من تصوف ولا عقلانية، فقد القرآن سلطانه كقانون ومنهج حياة واكتسب قداسته (كشيء). وتحت التأثير المستمر للشكلية الدينية قلت قراءة القرآن وكثر الاستماع إلى تلاوته بصوت غنائي، هذه الحالة الشاذة قد أصبحت الآن مقبولة كنموذج سائد بين الشعوب المسلمة؛ لأنها تتناسب مع أعداد متزايدة من المسلمين لا يستطيعون الانفصام عن القرآن ولكنهم من ناحية أخرى لا يملكون القوة أو الإرادة على تنظيم حياتهم وفق منهج القرآن.

ما جاء به دعاة الحداثة إلى البلاد المسلمة والاتجاه العام لهم هو اتجاها لا دينيا، يقودهم في هذا شعارات معينة تنادي بفصل الدين عن الحياة السياسية والاجتماعية، هذا الاتجاه يستدعي إلى الذاكرة قصة الصراع الذي نشب بين الدول القومية وبين الكنيسة الأوروبية في مستهل العصر الحديث. لكن ذلك الذي كان يعني تقدما ومتفقا مع الأوضاع التاريخية في الغرب كان بالنسبة للعالم الإسلامي عملية غير طبيعية، تعجز عن إحداث أي تغيير إيجابي في حياة شعوب العالم. وهذه اللامبالاة التي نشهدها اليوم في جميع البلاد المسلمة سببها أن أدعياء الحداثة يحاولون تنفيذ برامجهم الدخيلة؛ فتراهم يلجأون إلى منافقة الجماهير أحيانا وإلى التهديد أحيانا أخرى، يدافعون ويحثون، يقيمون التنظيمات ثم يهجرونها إلى تنظيمات أخرى، يغيرون الأسماء والشخصيات، ولكن يضربون برؤوسهم دائما في صخرة الرفض العنيد واللامبالاة الدفينة من جانب الناس البسطاء الذين يشكلون الغالبية العظمى للأمة. إن الشعوب المسلمة لن ترضى بأي شيء يخالف الإسلام، لأن الإسلام ليس مجرد مجموعة من الأفكار والقواعد والقوانين، وإنما يتجاوز هذا كله ليصل – في الإنسان المسلم – إلى مكامن حبه وعميق مشاعره، وكل من ينهض ضد هذا لن يجني من عمله سوى الكراهية والمقاومة، والمشاعر القوية عند الجماهير المسلمة تحتاج إلى فكرة تحفزها وتوجهها، ولكن لن تكون هذه مجرد أي فكرة، وإنما يجب أن تكون فكرة تتجاوب مع أعمق المشاعر الإسلامية، ومن ثم لا بد أن تكون فكرة إسلامية.