خلال ماراثون السباق الرئاسي الأمريكي عام 1988 كانت الكفة تميل لصالح مرشح الديمقراطيين مايكل دوكاكيس على حساب مرشح الجمهوريين جورج بوش الأب وبمعدل 51: 34 مما يوحي بهيمنة الديمقراطيين على البيت الأبيض. شَنَّ جورج بوش حملةً شعواء زعم فيها أنَّ دوكاكيس متساهلٌ مع المجرمين، وقد أهمل دوكاكيس الهجمات المتكررة لهؤلاء المجرمين في الآونة الأخيرة بما يشير إلى مستقبلٍ مؤسف للبيت الأبيض بين يدي الديمقراطيين. من خلال هذه الحملة التي سعى لها بوش وبمنهجية مدروسة؛ فقد مُنِى الديمقراطيون بشرِ هزيمةٍ ممكنة في الانتخابات الرئاسية، وخلا الجو لجورج بوش والجمهوريين. السبب الأول لهزيمة دوكاكيس يمكن إيعازه إلى تقاعسه في الرد على الشائعات التي رددها بوش، ومن الغريب أن دوكاكيس لاذ بالصمت ولم ينبري في الرد على شائعات بوش ظنًا منه بأن المناوشة ستؤدي لدعايةٍ سلبيةٍ ضده.

كان يُفترض أن يقوم دوكاكيس بالرد الهادئ الهادف على مزاعم بوش حتى يتسنى له الحفاظ على ثقة الشعب الأمريكي التي منحها له بدايةً، إلا أنه أضاعَ على نفسه فرصةً محالٌ أن تتكرر مرتين. هذا الدرس المهم قد استوعبه بيل كلينتون في حربه الرئاسية الضروس مع جورج بوش عام 1992، فقد استخدم كلينتون مساعديه من خلال الصحافة ليقوموا بالرد والتصدي بهمةٍ ونشاط لأي هجمةٍ يقوم بها بوش، في حين تفرَّغ كلينتون للمناظرات التي كانت تعقد بينه وبين بوش خلال الحملات الانتخابية. قراءة كلينتون لأسلوب بوش كان له الأثر البالغ في الرد عليه والتصدي لأسلوب الشائعات الذي انتهجه؛ مما قاد كلينتون للسيطرة على مجريات الأحداث والفوز بكرسي الرئاسة.

الرد على الشائعات ومزاعم الخصوم يمثل جزءًا من الصورة الذهنية للشخص أو المؤسسة، والتقاعس عن دفع الشائعات ودحرها يؤدي وبشكلٍ مطردٍ إلى اكتساب الشائعة الزخم الواسع حتى يتعامل معها الجمهور على أنه واقعٌ لا يخامره الشك ولا يأتيه الباطل. وما انتهجه دوكاكيس في مواجهة شائعات بوش ينم عن عدم تقييم الموقف بما يناسبه من الأهمية والخطورة. فسياسة الصمت وتضييق الخناق على الشائعة أمرٌ محمود ما لم تتفشى الشائعة ويتطاير دخانها عاليًا فيحجب الرؤية عن الحقائق ويجبر البعض على تتبِّعِ الطريق المضلِّل. لقد سنَّ الفاروق عمر بن الخطاب منهجية ذهبية في السيطرة على الشائعات بقوله: «أميتوا الباطل بالسكوتِ عنه»، ولكن يتعين علينا فهم هذه القاعدة لنستخدمها في إطارها الصحيح. فالفاروق -رضي الله عنه- أراد أن يوضح لنا كيف نتعامل مع الشائعة في طور التكوين، أي خلال المراحل الأولى من ظهور الشائعة، ولقد تطاول رجلٌ على عمرو بن العاص فلم يأبه له عمرو، فقال الرجلُ لمن حوله: لولا هواني عليهِ لرد عليّ، وهذا يصب في نفس ما قاله الفاروق إذ أنكَ بسكوتِكَ عن الباطل وعدم انزلاقِك في مستنقعِ التلاسِنِ فيه قد أجهزت عليه. أما إذا ما استشرت الشائعة وأطلت برأسها وأُفرِدَتْ لها الساعات الطِوال على الساحات الإعلامية؛ فعندها يكون الرد واجبًا ملزمًا لتمحيص الأمور وإظهار الحق.

السبب الذي يجعل الناس يقبلون على التشبثِ بالشائعة أحيانًا هو الخلل في منهجية الرد على الشائعة، فأنت ترى الكثيرين ينبذون الإسلام لا لأنَّ الإسلامَ دينُ سفكِ دماءِ وامتهانِ نساء، لكن لأن بعض من يتصدون للذود عن الإسلامِ يجهلون منهجية الرد على الشائعات التي ترمي للنيل من الإسلام؛ فقد ترى الرجل يسب ويتطاول واهمًا أنه ينتصر لدين الله، في حين أنّه بذلك قد خالف منهج المصطفى القائل: «إنما بعثتُ لأتمِّم مكارِم الأخلاق». إذن يكون الرد على الشائعات من خلال منهجيةٍ واضحةٍ ومحددة تتمثل في السكوت عن الباطل أو الشائعة ما دامت في إطارٍ ضيق، مع التماسِ النصح لمن ينتظم في سلك نشر الشائعة بإخلاصٍ وتجرُّدٍ دون عنفٍ أو تشنجٍ أو تطاول. انصح مروجي الشائعات بأدبٍ ولطفٍ ورفقٍ جم، واعلم يقينًا بأنَّه (لو سار ألفُ مدجّجٍ في حاجةٍ ** لم يقْضِها إلا الذي يترفَقُ)، فانصح هؤلاء بهدوء متبعًا المنهج الرباني «وليتلطّف ولا يُشْعِرَّنَ بِكُم أَحَدًا» وخلال النصيحة لهؤلاء لا يغب عنك ألَّا تنصحه على شرط القبول، فقط قدِّم النصح صادقًا ثم امض في طريقك؛ فإن أثمرَ نصحك لهؤلاء فبها ونعمة، وإن كانت الأخرى فاجتهد في إيصال النصح بغيرِ طريقةٍ ممكنة مثل تقديم الأمثلة أو الاستعانة بأهل الخبرة من العلماء والقادة المؤثرين والمخلصين لتجد عندهم طرقًا ناجعة تستأصِلُ شأفة الشائعة بأسلوبٍ حكيم.

يمكن كذلك شرح وجهة النظر الصحيحة التي حاولت الشائعة تشويهها، ويكون ذلك من خلال نفس المنبر الإعلامي الذي ظهرت من خلاله الشائعة، وحق الرد مكفولٌ للجميعِ بقوة القانون لإيضاح الخلل أو لتصحيح المفاهيم الخاطئة. يصحب وجهة شرح النظر الصحيحة للشائعة دعوة الجمهور الذي استهدفته الشائعة للتفكير وإعمال المنطق في محتوى الشائعة، اطلب منهم بعد إيضاح الأمور بشكلٍ لا التباس فيه أن يقوموا بالتفكير فيما عرضته الشائعة من مغالطات لا يقبلها العقل السوي. قد تحتاج في هذه الخطوة لمساعدة أهل التخصص من المفكرين والعلماء. أنت قد تكون مهتمًا بالرد على الشائعة ولكنك لا تملك من العلم ما تقطع به رأس الشائعة؛ فلا ضير أن تلبسَ لكلِ حالٍ لبوسها وأن تطلب عون أهل الخبرة الذين يصلون للنتيجة بأقصر طريقٍ ممكن. من ذلك أن أبا شاكرٍ الديصاني وهو من ملاحدةِ العرب قد سأل هشام بن الحكم عن قوله تعالى: «وهو الذي في السماءِ إلهٌ وفي الأرضِ إلهٌ وهو الحكيمُ العليم» فقال الديصاني: أنتم تقولون بقولِنا بوجودِ إلهين؟ فما جوابك؟! هنا الديصاني قدَّم لهشامٍ شبهة وشائعة عارية من الصدق إلا أن هشامًا لا يملِكُ الرد عليها، فلم يدر هشامٌ الجواب؛ فقصد إلى الإمامِ جعفر الصادق – رضي الله عنه – وأخبره الخبر، فقال الإمام: هذا كلامُ زنديقٍ خبيث؛ فإذا رجعت إليه فقل له: ما اسمك بالكوفة؟ فإنه يقول لك: فلان، فقل له: ما اسمكَ بالبصرة؟ فإنه يقول لك: فلان؛ فقل له: أهما شخصانِ أم شخصٌ واحد؟!! فكذلك ربنا في السماءِ إلهٌ وفي الأرضِ إلهٌ وفي البحارِ إلهٌ وفي القفارِ إلهٌ وفي كلِّ مكانٍ إله. قال هشام: فأتيتُ الديصاني فأخبرتُهُ فقال: جاءتكَ من الحجاز!

هنا مروِّج الشائعةَ يعلمُ أنها كالدخان الوضيع يطير للهواء وهو تافِهٌ لا قدرَ له ولا قيمة، ومع ذلكَ فهو يسترخص لقاءَ نشرِ الشائعة كلَّ غالٍ ونفيس؛ ليُلحِقَ الضرر بالآمنين؛ فتراه يسعى بالفتنة الطائفية بين لُحْمَةِ الشعب الواحد لتطير الرقاب وتنتشر الحمية بين أفراد البيت الواحد ولتنتشر الفوضى والذعر في ربوع الوطن. إنَّ إدراك حقيقة أن مروجي الشائعات قد يتنازلون طواعيةً عن الراحة لنشر الرسالةِ الرخيصة التي يرمن لتحقيقها؛ ليستنهِض همم الصادقين ممن أخلصوا لأوطانهم وأرادوا بحقٍ أن يحاربوا الشائعات، فليشمروا عن ساق الجد وليضحوا بالراحة لأجل إدراك الراحة.

من سبل الرد على الشائعات كشف البطَّالين ومروجي الشائعين لعامةِ الناس ليحذر الناس أبواقهم التي لا تعرف الصمت، قال الإمام القرطبي رحمه الله: «المسلمون صنفان: صِنْفٌ اشتهر بالحق والعدل والصلاح فهذا إن زل لضعفه البشري وجب على من حوله أن يستروه فمن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة، وصِنْفٌ اشتهر بين الناس بالفسق والضلال؛ فهذا لا حَرَجَ أن يُبْكَّتَ بما فيه ليحذر الناسُ شره».