في هذا الزخم الداوي من الكذب والتدليس وخلط الأوراق وقلب الحقائق الذي يمارسه أحفاد أبي لهب من إعلاميين محترفين أو هواة متطوعين يسارعون في الذين ظلموا أراني مدفوعا إلى أن أسجل شهادتي على اعتصام رابعة الصمود كواحد من أولئك الذين شاركوا في الاعتصام منذ ساعاته الأولى في الثامن والعشرين من شهر يونيو (حزيران) وحتى يوم الفض.

ومن الأهمية بمكان أن أذكر أنني كنت واحدا من أولئك الذين شاركوا في الثورة المصرية منذ أيامها الأولى كأحد المصريين الذين اكتووا بنار حكم العسكر وكأحد أولئك الذين يطمحون للتغيير، وعشت زخمها وأحداثها، وسعدت كغيري بما تحصلنا عليه من مكتسباتها والتي كان أعظمها على الإطلاق امتلاك الشعب إرادته في اختيار وعزل من يقومون بأمره وينظمون شأنه عبر مسار ديمقراطي حقيقي تتوفر له كل ضمانات نزاهته بما يعبر حقيقة عن إرادة المصريين، وشق ذلك على أصحاب المصالح وعملاء المشروع الأمريكيصهيوني والذي سيقف المسار الديمقراطي عقبة ضد مصالحهم في منطقتنا العربية والإسلامية فقرروا الانقلاب على إرادة الأمة، وبدأوا يثيرون على شرعية الرئيس غبار الشبهات، ويلصقون به وبأنصاره ظلم الاتهامات، تمهيدا لانقلاب ناعم بمباركة شعبية، ومثال ذلك توجيه الاتهام لرئيس الجمهورية بالهروب من سجن وادي النطرون بمساعدة حماس أثناء ثورة الخامس والعشرين من يناير! وقبول طعن أحمد شفيق على نتيجة انتخابات الرئاسة بما يخالف القانون وغيرها من الإجراءات المحبطة التي أوصلت للناس أن إرادتهم في خطر.

ومما عايشته في هذه الفترة العصيبة أن البلطجية كانوا كثيرا ما يحاولون الهجوم على مقراتنا لنتجمع عند المقرات للدفاع عنها لنرى صبية مأجورين لا تتعدى أعمارهم الخمسة عشر عاما يمطروننا بوابل من الحجارة ثم سرعان ما ينحسرون بعد قضاء مهمتهم وبالطبع كان هذا بترتيب من الانقلابيين ليوهموا الناس أن ما حدث للحزب الوطني سيحدث للإخوان لأن الناس لفظوا الإخوان كما لفظوا الحزب الوطني (محاولة لاستنساخ الثورة!).
وقبل الانقلاب بأسبوعين نظم حزب الحرية والعدالة عندنا في مدينة دسوق مؤتمرا شعبيا فهجم عليه البلطجية في حماية الشرطة بالرصاص الحي والسنج والخرطوش وكان موتا محققا للكثيرين بترت فيه سيقان وفقأت أعين وحدثت إصابات بالغة، مع العلم أن مؤتمرا مماثلا لتوفيق عكاشة مناهضا للرئاسة تم في نفس المدينة وفي حماية الشرطة وقبل مؤتمرنا بأسبوع وكان هذا هو الشائع في كل محافظات مصر، مؤامرة للحيلولة بين الإخوان والشعب في هذه الفترة وإظهار أن الشعب يلفظهم تمهيدا للانقلاب.

وانتهت الثمان والأربعون ساعه ليخرج العسكر ومن رافقهم من الانقلابيين ببيان الانقلاب، كانت صدمة لنا وطعنة قاسية قاسية ما أشد مرارتها، أبعد أن أصبحنا نستطيع أن نختار من يمثلنا ويقوم على أمرنا ونضع بأنفسنا الميثاق الذي يجمعنا يأتي العسكر الذين سلحناهم ليدافعوا عنا ليذبحونا بسلاحنا؟! أبعد أن أملنا في حياة كريمة ننعم فيها بمقدراتنا يأتي العسكر ليغتالوا حلمنا الذي أوشكنا أن نراه بأعيننا؟!

ولكن على التو وبعيد إلقاء البيان بثوان أفقنا من سكرتنا، لترتفع الصيحات على المنصة وفي الميدان: باطل باطل، وليجدد الجميع العهد بعدم التفريط في شرعيتنا واستكمال أهداف ثورتنا والعمل على زوال هذا الانقلاب مهما كلفنا ذلك من تضحيات، وكانت النداءات لكل الأحرار للنزول في كل الميادين لمعارضة الانقلاب وقد كان وبدأ كل منا يتصل بأهله وذويه ومعارفه يستحثهم على النزول معنا وبدأت ملحمة رابعة الصمود تستكمل تسطير أعظم ثورة في التاريخ الإنساني يعلم المصريون فيها الدنيا كيف تكون العزة وكيف تنتزع الإرادة وكيف تكون الثورة وغدا يولد يوم جديد يرجع فيه الحق إلى أهله ويلاقي المجرم فيه جزاء ما اقترفت يداه يراه اليائسون بعيدا ويراه المؤمنون قريبا.

وبدأت ملحمة رابعة العدوية، وبدأ الناس يتوافدون على الميدان من كل حدب وصوب على اختلاف مذاهبهم وتوجهاتهم، وكل إجراء يتخذه المتآمرون يزيد في وضوح الرؤية أكثر وأكثر فينضم إلى الثوار في كل يوم فصائل جديدة علمت أنها كانت مخدوعة وأنها تم استخدامها لتمرير الانقلاب على إرادة الأمة، حتى اللافتات التي تآمرت مع العسكر مثل حزب الزور انفصل عنها الكثير من قواعدها وأتوا إلينا في الميدان مؤازرين ومستنكرين الموقف المخزي لاحزابهم، بل والكثيرون من حركة تمرد و 6 أبريل، وأصبح الواجب والضمير ينادي على كل المخلصين، وشاء الله أن تصل الرسالة إلى كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد عبر سيارة البث، ومن خلال الإجراءات الدموية للانقلابيين خلال أحداث الحرس الجمهوري والمنصة ورمسيس والفض وحتى يومنا هذا، ثم بإعلان براءة المجرمين من دم الثوار خلال أحداث يناير، كل هذا دفع كل يقظ وكل من أفاق من غفوته أن يضطلع بالواجب فإما أن يأتي إلى الميدان وإما أن يخرج في المسيرات في محافظته وإما ان يدعم بالمال الذين يخرجون، فعلى سبيل المثال عندما عدت إلى البيت لأفطر مع أولادي في أول أيام شهر رمضان فوجئت وأنا قافل راجعا إلى الميدان فجر اليوم الثاني بمن ألقى ستين جنيها على سلم البيت دعما للذين يخرجون، وخلال مناقشة في السيارة مع أحد داعمي الانقلاب استدارت إلي سيدة واعطتني مائة جنيه دعمًا للميدان، والأمثلة في ذلك كثيرة، أصبح الأمر بالنسبة لمن وضحت عندهم الرؤية قضية مصير يبذلون في سبيلها كل رخيص وغال، وفوجئت بسيدة بسيطة من أهل قريتنا تصر على الذهاب معنا صاحبة معها بعض الطعام البسيط وتركناها في الميدان مع السيدات وكلما ذهبنا لنطمئن عليها مرة يقولون إنها عند المنصة وثانية يقولون إنها خرجت في مسيرة وثالثة في المطبخ وهكذا لم أقابلها إلا مساء يوم الفض باكية على جثة وجدتها ملقاة على كومة زبالة ولم تستطع حملها إلى مكان كريم وسط ضرب الرصاص الحي ممن فقدوا ضمائرهم موصية إيانا ألا نرجع إلى بيوتنا وإلا نكون قد خنا دماء الشهداء! إنها سلامة الفطرة ووضوح الغاية أمر مرده إلى رضا الله عن عباده فإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر أين أقامك.

هكذا كانت قلوب الناس وهكذا كانت إرادتهم وهكذا كان عزمهم ومحال ثم محال أن يرجع هؤلاء إلا بإحدى الحسنيين أن يعيشوا أعزاء أو يموتوا شهداء.

وإذا أردت ان تصف الملايين الهادرة إلى الميدان ملبية نداء الواجب والوطن فلن تجدك إلا وتقول إنها قلوب جمعتها أسمى القيم على اختلاف مشاربها وتوجهاتها، فالحرية والهوية والإرادة والوطن والعزة والكرامة وغيرها من القيم والمبادئ الإنسانية حاول الانقلابيون بفعلهم الخسيس تجريف الوطن منها فما كان من هؤلاء إلا أن تجمعوا في الميدان ليحتضنوا هذه المعاني السامية منادين بها حامين لها عازمين ألا يرجعوا إلى بيوتهم إلا بإقامتها شعارهم نموت نموت ويحيا الوطن.

كنت في أيام الثورة الأولى قد هالني ما رأيته في ميدان التحرير من لحمة بين أبناء الوطن الواحد وما لمسته من تلك القيم والمبادئ الإنسانية التي تجسدت في الميدان وأصبح لهذا الميدان في قلبي قداسة تدفعني للحنين إليه كلما غبت عنه حتى أنني جسدت ذلك في قصيدة أسميتها مصر التي في الميدان أسمعتكم إياها على صفحتي، ولما اضطررنا إلى الاعتصام في رابعة وحرمنا الانقلابيون من الاعتصام في التحرير وبعد أيام من الاعتصام أدركت ساعتها ان الميدان بمن فيه من البشر فأينما وجد الثوار الحقيقيون فثم الميدان ولا أخفيكم إحساسي بأن حنيني اليوم إلى رابعة أشد بكثير من حنيني إلى التحرير، ولمَ لا وقد عايشت فيه أسمى المعاني الإيمانية وأوثق روابط الأخوة بيني وبين أناس ربما لم أرهم أبدا قبل رابعة، وشاركت فيه ملاحم ورأيت دماء تسيل كل ذلك في سبيل الله ثم الوطن. لقد رأيت إنسانية الإنسان تتحقق في هذا الميدان ورأيت جيلا جديدا يولد على هذه البقعة المباركة، جيل يؤمن بربه ويؤمن بنفسه ويحب الحياة ويكره الذل ويفرض إرادته ولا ينحني إلا لله، تخالهم كلهم إسلاميين كما يسمونهم إذا رأيتهم يصطفون للصلاة خاشعة قلوبهم دامعة أعينهم رافعين أكف الضراعة إلى الله ربهم طالبين منه العون مستمدين منه القوة، وتخالهم كلهم ليبراليين كما يطلق عليهم إذا رأيت تفاعلهم مع أغاني الثورة فيتمايلون ويصفقون ويرددون كلماتها مستبشرين بها مستمدين منها العزم والأمل!

وإذا أردت أن تعرف كلمة السر في بقاء جذوة الثورة مشتعلة في هذه القلوب منذ أول يوم في الاعتصام وحتي الآن، بل واتقادها يومًا بعد يوم فلن تجد غير هذا الإيمان الذي لا يعرف صاحبه المستحيل ولا يتسرب إلى قلبه اليأس والذي يقطع صاحبه عن الأسباب فلا يركن إلا إلى مسبب الأسباب، هذا الإيمان الذي لا يعرفه القاعدون الذين حبسهم الخوف واليأس فوزنوا الأمور بميزان البشر وتخلفوا عن الركب، هذا الايمان الذي لا يتذوق حلاوته ولا يجني ثمرته إلا من نزل ميدان الجهاد ليرى آيات الله رأي العين فيزداد إيمانا على إيمانه حتى يصبح إيمانا لا يمازجه ريب ولا يخالطه شك ولتقرأ إن شئت لصاحب الظلال تفسيره لقوله جل في علاه: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة…).

هذا الإيمان هو صانع المعجزات، ولقد كان الميدان بحق معجزة، بتركيبه وإبداعه وأخلاقه وإنسانه، معجزة أن ترى هذه الألفة التي تجمع اتجاهات فكرية وأيديولوجية مختلفة واجتماعهم على ذات المبادئ والقيم رغم أنهم بالملايين فلا يختلفون حتى لتظن أنهم رجل واحد، ومعجزة أن ترى إنسان الميدان بطهره وعفافه وإيثاره ورحمته وأخوته وعلو همته وجنديته وقيادته و إيجابيته ومسئوليته وتقديمه لمصلحة أمته على مصلحته، ومعجزة أن ترى الإبداع في نظامه المحكم ولائحته التي شارك في صنعها الجميع، فعناوين المحافظات والمراكز معروفة في الميدان، وتأمين المداخل بنوبات حراسة كل محافظة تعرف مدخلها وكل مركز يعرف نوبته، ومجموعات التصدي للبلطجية معروفة ولها برنامجها وعروضها التي تبعث الطمئنينة في قلوب من في الميدان والرعب في قلوب من يفكرون في الهجوم عليه، وتقسيم أنفسهم إلى مجموعات هذا يغادر الميدان لقضاء حاجته وتسيير أعماله وهذا يحل محله حتى لا يخلو الميدان، والمنصة لها برنامجها الذي يستهدف التركيز على الثوابت وبث روح الأمل وإلهاب الحماسة وربط القلوب بالله.
ثم كان الإبداع في الميدان بتطوير خدماته لييسر على المعتصمين أمرهم، تجلى ذلك في الخيام والحمامات والمطبخ وبدأ الناس يطورون خيامهم حتى أنك لترى في بعضها المراوح والتلفاز ومقابس لشحن الجوالات، بل ورأينا قرب نهاية الاعتصام خياما من طابقين. وكل خيمة لها برنامجها الذي يخصها ما بين تلاوة القرآن وسماع المحاضرات وحلقات النقاش حول كل ما يجول بالخاطر ويزيل الشبهات ويجلي المقاصد ويبرز المنطلقات.

وإنك لتعجب أكثر عندما تدخل خيمة الفهامة وهي خيمة أعدت للمثقفين والمبدعين من الأدباء والشعراء، تلقى فيها المحاضرات النوعية، وتعد فيها الندوات الشعرية، فتسمع فيها للشباب وسحر بيانهم وروعة تصويرهم لمحنة أمتهم وإبداع احتجاجهم. ثم ما كان من حل شفرة سيارة البث حيث أراد الانقلابيون أن يمنعوا وصول صوت من في الميدان إلى الناس فكان الإبداع من هؤلاء المهندسين المخلصين في حل الشفرة وتشغيل البث لتسمع الدنيا كلها برابعة ومن في رابعة. كان مصدر ذلك الإبداع هو إيمان هؤلاء بقضيتهم وإيمانهم بربهم وتعبدهم إلى الله بعبادة من أجل العبادات ألا وهي عبادة انتظار الفرج، فاللهم فرج همنا واحقن دماء إخواننا ونجهم من فرعون وعمله ونجهم من القوم الظالمين.

وبعد إعلان بيان الانقلاب واختطاف سيادة الرئيس لجأ الانقلاب إلى بعض الممارسات التي من شأنها التعتيم على جريمتهم، و منع وصول صوت أنصار الشرعية إلى بني أمتهم، فأغلقوا تسع قنوات فضائية بقرار واحد، وحالوا دون وصول كاميرات قنوات حرة إلى الميدان فلا أحد يراهم ولا أحد يسمعهم ولا يصل إلى الناس إلا ما يريد الانقلابيون أن يصل إليهم، وهنا كان التحدي، وبدأ تنظيم المسيرات التي تخرج من الميدان لتجوب أنحاء مدينة نصر، بل وأصبحت المسيرات تجوب كل أنحاء الجمهورية لتشكل أقوى إعلام يهز عرش الانقلابيين كاشفا كذبهم وتدليسهم في إعلامهم على الشعب يراه الناس بأعينهم من خلال هذه الحشود الهادرة التي تنادي بسقوط الانقلاب وعودة الشرعية والتي يصفها إعلامهم بالعشرات.

فخرجنا في الخامس من يوليو في مسيرة حاشدة يتقدمها العلماء إلى نادي الحرس الجمهوري، وما أن وصلنا حتى أطلقت أول رصاصة غادرة من الجيش ليقع أول قتيل، وبدأت القنابل المسيلة للدموع تطلق على المتظاهرين لتفريقهم، والشباب بين كر وفر في محيط النادي ويرتقي إلى الله أربعة آخرون على ما أتذكر برصاصات الجيش الغادرة، حتى وصل الدكتور محمد وهدان عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين يحيطه الشباب من كل جانب ويرفع فوقه أحدهم قميصه ليقيه من حر الشمس وأخذ ينادي بصفته :أنا الدكتور محمد وهدان عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين وأخذ ينادي على قادة الحرس الجمهوري في النادي بأسمائهم وصفة كل منهم معلنا أننا سلميون وأننا جئنا بصدور عارية وأننا لو أمطرتمونا برصاصكم فشعارنا: (لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين) وأننا ما جئنا إلا لمطلب واحد وهو الإفراج عن رئيسنا وألا تمتد إليه يد بسوء.

ثم وصلت سيارة بصوتياتها يعتليها الدكتور محمد بلتاجي وكرر ما قاله الدكتور محمد وهدان وقال إننا نطالب رئيس الحرس الجمهوري أن يقوم بواجبه بحماية السيد الرئيس وأن يذهب به إلى قصر الاتحادية ويمكنه من ممارسة سلطاته وإنهاء هذا الانقلاب على الفور فإما أن ينال هذا الشرف أو يسلم الرئيس إلى الشعب ليحمي رئيسه.

وحلقت فوقنا إحدى الطائرات الحربية على ارتفاع بسيط لتخوف المتظاهرين وأطلقت علينا غازا لا نعرف أثره فوجه الدكتور بلتاجي نداءه إلى قائد الحرس الجمهوري بأن هذا لا يليق أن يكون تصرف الجيش مع شعبه وطالبه بانصراف هذه الطائرة فانصرفت لتخرج مجموعة من طائراتهم تمارس الكذب على المتظاهرين حاملة علم مصر راسمة قلبا في السماء موحية بالأمان للمتظاهرين .

وعاد الهدوء النسبي أمام النادي وأصبحت هذه السيارة هي المنصة التي يعتليها بعض من صفوة الأمة يبثون الأمل ويرسمون الإطار الذي نتحرك فيه ويشحذون العزائم ويربطون القلوب بالله، فالشيخ سلامة عبد القوي وصفوت حجازي والبلتاجي وصلاح سلطان ومحمد وهدان وغيرهم أثروا هذه المنصة في هذه الأيام القلائل التي اعتصم فيها الثوار أمام نادي الحرس الجمهوري حتى يوم فضه في الثامن من يوليو، ذلكم اليوم الذي عرف فيه العسكر صلابة المعتصمين وأن العنف لن يزيدهم إلا إصرارا وثباتا، وعرف فيه الثوار مدى خسة هؤلاء العسكر وأنهم لا أمان لهم، واطمأن كل من شاهد هذا اليوم إلى نجاح الثورة المصرية بعدما رأى بسالة الشباب الذين اثبتوا صدق شعارهم: والموت في سبيل الله أسمى أمانينا حتى أنني سمعت أحد الحاضرين يتمتم بقوله: محال أن ننكسر وفينا مثل هؤلاء الشباب.

فبعد أن استقر الاعتصام أمام نادي الحرس الجمهوري بعد حالة الشد والجذب بين الحرس والثوار، ورسائل الاطمئنان المتبادلة بين المنصة وقيادة العسكر وتزايد حشود المعتصمين التي وصلت إلى ذروتها ليلة
صلاتنا على الشهداء الذين وقعوا مع بداية الاعتصام، وبعد ليلة جميلة غذت فيها المنصة أرواحنا وجددنا معها عزمنا، فوجئنا ونحن نصلي الفجر وبينما كنا في الركعة الثانية وعند الركوع بوابل من القنابل المسيلة للدموع والرصاص الحي يطلق على المصلين من نادي الحرس الجمهوري، فأكمل الامام الصلاة مسرعا ثم تحرك الثوار في الميدان كرا وفرا، ولاح الغدر وخشي الثوار مع تراجعهم أن يمتد الضرب ليصل إلى إخوانهم في ميدان رابعة فصمموا على الثبات ليوصلوا الرسالة إلى قادة الانقلاب أن الثوار لن يتراجعوا عن مطالبهم ولن يغادروا مكان اعتصامهم حتى ولو كان الموت مصيرهم وأنهم لا يهذون عندما يهتفون: والموت في سبيل الله أسمى أمانينا.

وسرعان ما بنى الثوار جدارا يقيهم من الرصاصات الغادرة في مواجهة العسكر وفي كل الطرق التي توصله إليهم، والرصاص يطلق علينا كالمطر، وفوق أحد المنشآت العسكرية تقف رتبة عسكرية ومعها قناص ومصور يحتمون خلف مانع ويختارون من تصل إليه رصاصاتهم الغادرة.

ومع الخسة والخيانة التي بدت من العسكر والتي بدا منها أن الانقلابيين ماضون في انقلابهم ومستمرون في إجرامهم وأنه ليس لها من دون الله كاشفة لاح في الأفق بشائر النصر بميلاد جيل يعشق الحرية ويعيش لغيره أكثر مما يعيش لنفسه ويؤمن بربه وجنته وناره حتى أصبحت الشهادة أسمى أمانيه، فأرى شابا يقف خلف الساتر يمسك مصحفه ليقرأ ورده ناضحا وجهه بدماء من سقط من إخوانه سائلا الله بلسان حاله الشهادة، وآخر يكلم القناص وينهره ويتوعده حتى تناله منه رصاصة غادرة ما زال يعاني من آثارها وما زال على درب التضحية حتي احتوته سجون الانقلاب، وثالث يصعد على الساتر فاتحا قميصه كاشفا صدره محدثا الجنود أنني مستعد للموت فمرحبا بلقاء الله، ورابع يتوضأ أمام القناص وحوله الناس يتساقطون حتى يصلي الضحى، وخامس يفترش مع أخوين الأرض ليصلوا الضحى فيقع من على يمينه ويساره ويكمل صلاته، وسادس يهاتف صديقه ويسأله الدعاء أن يرزقه الله الشهادة، حتى سمعت أحد الناس يتمتم: محال أن ننكسر وفينا مثل هؤلاء الشباب. فهذه بعض ملامح هذه الملحمة، تشهد بسلمية الثوار وغدر وخيانة العسكر والله أسأل أن يعجل بزوال هذه الغمة وبزوال هذا الانقلاب والظلم عن إخواننا ووطننا أنه سميع قريب مجيب.

ووصلت الرسالة لكلا الطرفين، عرف المعتصمون خسة العسكر وغدرهم وخيانتهم وسواد قلوبهم باستهدافهم المعتصمين وهم سجد لله، وعرف العسكر انهم أمام إرادة فولاذية تستمد قوتها من الله العزيز الجبار المنتقم ومحال أن يتسرب إلى قلوبهم ضعف أو وهن، وكان يوم مذبحة الحرس الجمهوري أشبه بيوم الأربعاء الدامي حيث أيقظ ضمائر وجلي الصورة أمام المخلصين من أبناء هذا الوطن، وأشعل جذوة الثورة في جميع أنحاء مصر.

كان يوما رجع فيه كل فرد في الميدان إلى منطلقاته وتثبت من مبادئه وعرف أن ثمن الحرية ربما تكون دماؤه، وبدلا من أن يترك الميدان استدعى أهله وذويه وأصبح الميدان بعد ذلك أكثر زخما وأصبحت القلوب معلقة بخالقها، وهانت بعده كل التهديدات وخسأ اللصوص والبلطجية الذين أوكل لهم أكابرهم الهجوم على الميدان لإرهاب من فيه.

ونظمت المسيرات اليومية ليلا ونهارا تخرج من الميدان تجوب أنحاء القاهرة، فهذه إلى رمسيس وتلك إلى روض الفرج وأخرى إلى الاتحادية وغيرها إلى وزارة الدفاع ومثلها إلى نادي الحرس الجمهوري وهكذا يحدث في كل المحافظات، وعلى النقيض لم يكف العسكر عن ممارسة إرهابهم، فطائراتهم تحلق فوق الميدان وفوق المسيرات تلقي فوقنا المنشورات بالتهديد والوعيد والرضا بالأمر الواقع، بل وكرروا سيناريو غدرهم أكثر من مرة، مرة أثناء صلاة التراويح في رمسيس، ثم كان الغدر أشد في أحداث المنصة حيث اعتلوا أسطح كلية الدعوة والمسجد والمنشآت العسكرية ليمطروا المتظاهرين الذين خرجوا قاصدين كوبري أكتوبر والعودة إلى الميدان بوابل من الرصاص الحي وقع على إثره ما يقارب مائتي شهيد غير آلاف المصابين، والأغرب الذي ليس غريبا عليهم أن يحموا جيش البلطجية الذي هجم علينا يوم أحداث قليوب ليساعدوه على النيل منا والقبض على بعضنا الذين ما زالوا رهن الاعتقال من يومها وحتى الآن.

كل ذلك زاد من إيمان المعتصمين بقضيتهم وحقهم فراحوا يبدعون في سبل عيشهم بالميدان لا يعرفون له نهاية إلا يوم أن ينالوا حريتهم ويسترجعوا إرادتهم، فلا غرابة أن يتواصوا بالحفاظ على جلود الأضاحي وهم ما زالوا في شهر رمضان، ولا غرابة أن ترى الخيام ذوات الطابقين، ولا غرابة أن ترى الخيام بها التلفاز والمروحة، ولا غرابة أن تقوم بعض النساء بصناعة كحك العيد ليوزع على كل من في الميدان، ولا غرابة أن تنشئ ساحة للملاهي في أيام العيد ليستمتع بها الأطفال، ولا غرابة أن يبدأوا في إنشاء بئر اردوازي بعد أن هدد العسكر بقطع الماء عن الميدان، ولا غرابة إلا يغادروا الميدان في أيام العيد بل يأتي كل الأهلين إليهم في الميدان ليشهد صلاة العيد في ذلك اليوم أكثر من خمسة ملايين من الثوار في مشهد مهيب أرعب العسكر الخونة حتى طاشت عقولهم وأقدموا على جريمتهم النكراء وقتل الآلاف من خير من أنجبت مصر في يوم واحد على مرأى ومسمع من عالم انعدم ضميره، ولكن الله يسمع ويرى، والليل يشهد والكواكب والثرى، وكفى بهم شهداء يوم الدين.


لقد كان ميدان رابعة بحق روضة من رياض الجنة دفعتني على المستوي الشخصي مثل الكثيرين ألا أحرم أولادي من التواجد في هذا المكان لتنبض قلوبهم معي بالإيمان وسط الصالحين من أبناء هذا الوطن وليستشرفوا معي مستقبلا لبلادهم يتنسمون فيه نسائم الحرية وقد اندحر الظلم وساد العدل وأظلتنا شرعة الله، فصحبتهم معي أيام العيد ليشعروا بالدفء الوطني وسط المصريين في هذا المكان المبارك وليشهدوا احتفاليته المبهجة التي أذهلت الدنيا وعندما عدت بهم إلى البيت وقفلت راجعا إلى الميدان تشبث بي ولداي معاذ وأنس ليرجعوا ثانية معي إلى الميدان ليكتب الله لنا أن نشهد ملحمة الفض، ولقد
كان يوما عصيبا بدأ منذ الصباح استشرفته بأن حدثت ولدي بالجلد وعدم الخوف وكتبت على ظهر كل منهما اسمه وعنوانه ورقم هاتفي إن قدر الله لنا أن نفترق بالموت أو بفقدهما وسط الزحام وحراك الملحمة، ثم صحبتهما إلى المسجد مع الأطفال وبعض النساء، ورجعت إلى صديقين لي في الميدان من أبناء قريتي كانت عيني لا تغيب عن أيهما خشية أن يصيب أحدهما ما أكرهه وأظن أنهما كانا لي كما كنت لهما.

نظرت فوجدت العسكر بمعداتهم قد هجموا من كل مداخل الميدان فقلت بصوت يسمعه من بجواري هؤلاء جاءوا ليبيدوا من في الميدان لا ليفضوه، فقال لا تقل هذا حتى لا تخف من حولك، وبدأت الملحمة وتعالت أصوات القنابل والرصاص وتعالت معها أصوات التكبير والتهليل وطلب العون من الله، والشباب على المداخل بين كر وفر يتصدون بصدورهم العارية جحافل الظالمين من العسكر ليحموا إخوانهم بالداخل، ويتساقطون واحدا بعد الآخر لتنقل جثثهم ومصابيهم إلى المستشفى الميداني وفروعها في الميدان، وهال العسكر ما لاقوه من صمود هؤلاء الشباب وأرادوا أن يزلزلوا الميدان من الداخل فكان القناصون فوق أسطح مبانيهم في الميدان يوصلون رصاصاتهم إلى قلب الميدان، ثم كانت الطائرات التي يركبها القناصون لتطير على ارتفاعات بسيطة ليوجه قناصوها رصاصاتهم الغادرة إلى قلوب الشباب.

وأذهب لأطمئن على أولادي في المسجد فأجدهم قد ضربت عليهم القنابل المسيلة للدموع والمكان مكتظ بالأطفال حتى كاد بعضهم ان يموت اختناقا، ويخبرني ولدي معاذ أنه حاول الخروج للحمام فصوب نحوه وغيره رصاصات غادرة من أحد القناصين ليختبئ خلف جدار وبعدها يرجع سريعا إلى المسجد. حتى كانت نهاية اليوم ليخبرنا أحد الإخوة أننا لنا أحد مخرجين، فصحبت ولداي لأخرج بهما فقتل أمامنا أحد الشباب فرجعت بهما ثانية إلى المسجد وسط الشهداء والمصابين، ثم كشفت عن وجه أحد الشهداء لأرى ابتسامته الرائعة فأبكي ويبكي ولداي لبكائي، وأخيرا خرجنا مع إخواننا إلى مسجد الإيمان بمكرم عبيد لنقضي فيه ليلة نقلت فيها إليه أكثر من خمسمائة جثة تكاد عينك لا تستطيع النظر إلى بعضها من شدة ما أصابها شاكية إلى الله ظلم الانسان لأخيه الإنسان.

وفي الملحمة تفصيلات كثيرة ومواقف بطولة وشهامة يشرف بها أصحابها تعكس سلمية الميدان وجرم العسكر وبشاعة الفض وإرادة الشعب بحتمية رجوع إرادته وشرعيته وتضحيته في سبيل ذلك بالغالي والنفيس، وغدا ينتصر الحق ويندحر الظلم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا.