«نحن هنا نحارب ونقاتل، ونمثّل سفراء الصليبيين، نحن ندافع عن حرية التنصير الصليبي في الجزائر».

لم أجد مقدمة لمقالي تلخص تاريخ الحرب الصليبية المقدسة على الهويّة الجزائرية، غير هذا التصريح للجنرال السفاح الفرنسي بيجار، وهو يدافع بفخر عن المشروع الفرنسي لطمس الهوية الإسلامية للجزائريين، هوية ضحى عليها الجزائريون غاليّا ونفيسا، من أجل الثبات عليها، يراد لها اليوم من بعض جيوب أقدام فرنسا السوداء التي عاثت طغيانا في البلاد، وأكثروا فيها الفساد، أن تستباح وتهضم، حرب مفتوحة على اللغة العربيّة، وأخرى معلنة على المدارس القرآنية وغير ذلك الكثير، فمرحبًا بكم في حرب الهويّة المقدسة الثانية .

حين نتكلم عن الرقم اثنين، يذهب بنا التاريخ إلى رقم واحد، فحرب الهويّة في الجزائر دشّنها المستعمر الفرنسي في عهده، وقد كان إصرار فرنسا على مسخ الهوية الجزائرية كبيرا، إذ سبق صدور قانون الألقاب هذا، محاولات عديدة لطمس الهوية كان أهمها إجبار الجزائريين على تسجيل المواليد الجدد وعقود الزواج لدى مصلحة الحالة المدنية الفرنسية، بعدما كانوا يقصدون القاضي الشرعي أو شيخ الجماعة، وجاء قانون الألقاب ليكمل المخطط الجهنمي الفرنسي الذي هدف المستعمر من خلاله إلى الاستيلاء على الأراضي، وتفكيك نظام القبيلة، وإبراز الفرد كعنصر معزول لإرساء دعائم الملكية الفردية، وتغيير أساس الملكية إلى أساس النسب بدلا من أساس القبيلة، والقضاء على الشخصية الإسلامية من خلال تغيير الأسماء ذات الدلالة الدينية، وإحلال الفرد في المعاملات الإدارية والوثائق مكان الجماعة، وتطبيق النمط الفرنسي الذي يخاطب الشخص بلقبه وليس باسمه، ناهيك عن القانون الصادر في الثامن من مايو أيار من عام 1938 والقاضي باعتبار اللغة العربية لغة أجنبية في الجزائر حتى يتمكن من محو الشخصية الجزائرية، والسيطرة عليها، قرار نتج عنه إغلاق العديد من المدارس القرآنية والكتاتيب والزوايا التي كانت تعلم الجزائريين لغتهم ودينهم، لم يتوقف المستعمر الفرنسي عند خط اللغة في حربه على الهوية الجزائرية، بل تعداه إلى إطلاق حملات التبشير، حملاتٌ تغلغلت في المجتمعات الجزائرية واستغلت الظروف الاجتماعية وفقر السكان لدفعهم نحو المسيحية، وهذا ما قاله القس الفرنسي صامويل زويمر عن حملات التبشير في الجزائر، «مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام، ليصبح مخلوقا لا صلة له بالله، وبالتالي لا صلة له بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حيائها، ولذلك تكونون بعملكم هذا في طليعة الفتح الصليبي للمماليك الإسلامية».

انتهى الرقم واحد بفضل جيل عبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي رغم ضراوة المعركة التي جمعت العلماء والمجاهدين والشعب الجزائري ضد المستعمر الفرنسي، وخرجت فرنسا من الجزائر، لتبدأ بعد خروجها الحرب المقدسة على الهوية الجزائرية الثانية، تركت فرنسا قبيل إعلان خروجها من الجزائر ونحن على أبواب الاحتفال بالذكرى الخامسة والخمسين من معاهدة وقف إطلاق النار، عبيدا ليكملوا الحرب التي أعلنها بيجار، حربٌ سرية تارة ومعلنة تارة أخرى، نعيش اليوم مع فصل جديدٍ يسطره أحفاد الأقدام السوداء وأبناؤهم، حربّ مفتوحة على اللغة العربية، وإن بقيت لغة رسمية أولى للبلاد الحمد لله، وحربٌ شنيعة على الأخلاق الإسلامية في المجتمع الجزائري، آخر فصول الحرب المقدسة هذه كانت الحرب المفتوحة من طرف وزارة التربية والأوقاف على وقف عبد الحميد بن باديس وثلة علمائه الميامين، الزوايا والمدارس القرآنية، لتخرج علينا الحكومة على لسان من يمثل الوزارتين، بتصريحات لبّها أن المدارس القرآنية مصدرةٌ للفكر الداعشي الإرهابي، وعلى ذكر الأفكار فالحرب الهوية الثانية كما الأولى لم تختلف في شيء، فرنسا نصرت الجزائريين، وأبناؤها اليوم يشيعون في الجزائريين، فرنسا حاربت ابن باديس، وأبناؤها يحاربون اليوم أحفاد وفكر وإرث ابن باديس، فرنسا حاربت اللغة العربية، ومجد أبناؤها اليوم اللغة الفرنسية، فرنسا قبل دخولها إلى الجزائر سارعت في تعليم عملائها وضباطها اللغة العربية، وسارع أبناؤها اليوم في إتقان اللغة الفرنسية وتعليمها إجباريا للجزائريين.

الحرب على الهوية الجزائرية لم تتوقف ساعة واحدة، وإن وجدت في فترة الاستعمار عبد الحميد بن باديس، فاليوم الجزائريون كلهم بن باديس، ولا يتشرفون بلغة ولا حرير باريس. كانت هذه حملة صليبية مقدسة، حرب هوية بالوكالة.