أصبحت كلمات كالفساد وسرقة المال العام كلمات بالية لا تثيرنا، ولا تستفزنا، ولا تغضبنا، ولا تقهرنا، ولا تحرك شيئًا فينا عندما يتم طرقها على الأسماع، ورد الفعل على هذه الكلمات إن كان هناك من رد فعل، فهو إلقاء النكات من باب التهكم والسخرية والتندر بعيدًا حتى عن التذمر، لقد غدت كصوت الزهر في لعبة الطاولة، يسمع قرقعتها كل من في المقهى ولكن لا يهتم لها إلا من يلعبها، أنت فقط مستمع غير مستمتع بصوت قرقعة الزهر، ولكنك في نفس الوقت غير معترض، حتى الحوارات بين اللاعبين المسموعة لكل من في المقهى، وإن كان بعضها يجمع روح التحدي وبعض الكلام الجدي، لا تجدنا نصغي له ولا نعيره أي اهتمام، «كليشيه» الفساد أهم وأكبر إنجاز للفُساد.

وأول خطوة في طريق محاربة الفساد والتصدي له هو الاعتراف بالفساد، فهو كمن يصرح بوجود مرض معدٍ، ويحاول أن يكافحه حتى لا تنتشر العدوى بين البشر، وليس مثل البعض الذي ينكر، ويستنكر، ويستكبر، ويتهم الكل بإعطاء الموضوع أكبر من حجمه، وهو يدرك يقينا أن ما خفي أعظم، وأن ما يصل ويعرف عن هذا المرض الذي بدأ يستشري يعد نسبة بسيطة، ومعلومات سهلة وخفيفة، عن هذا الوحش الخفي، الذي بإمكانه أن يقوض أركان كل الحكومات، وإن يضعفها فهو السوسة الكامنة في أعمدة الدول ينخر بها، حتى إذا أتت أول عاصفة تهاوت هذه الحكومات بدولها.

ندرك إن الفساد ليس علامة مسجلة لدى دولة بعينها، وأنه لا يوجد مكان في العالم لا يخلو من الفساد، حتى من هي أكثر تقدمًا وتحضرًا، ولكن الأمر يصبح نسبيًا والاعتراف بالفساد هو أول موضع لقدم التقدم لهذه الدول، لوضع التشريعات والقوانين المساعدة لمحاربة الفساد والمفسدين، هناك دول عديدة نسبة الفساد تكاد فيها لا تذكر هذا لأنها عملت على الفساد، ولم تعمل مع الفساد.

عندما يصبح الفساد برعاية سلطوية، يصبح هذا الفاسد في مأمن، من الذين يحاولون أن يدحروه أو يحيدوه ويبعدوه على أقل تقدير، لكن السلطة تدفعه دفعًا لأكثر تجاوزا بإعطائه جواز مرور إلى كل ما هو ليس محمود، وهو تحت مظلتها وبحمايتها، من حرارة شمس المصلحين؛ وداخل عباءتها لتدفئته من صقيع المعارضين، حاملة بيدها صولجان تهوي به على رأس المعترضين، وكأنها الأم التي تدافع عن ولدها بئس الأم وابنها اللعين.

إن كنا تقبلنا الفاسد ونحميه ونبغي على من يتعرض إليه ولا نبقي من يعاديه، السؤال هنا لماذا لا نتقبل السارق أخاه؟

ما الفرق بين الاثنين؟ ألم يأتيا كلاهما من رحم «الحرمنة»، ما الذي يجعلنا نتقبل الفاسد وننبذ أخاه، لماذا الفاسد يمجد والسارق يهمش؟ هل الفاسد أرفع درجة من السارق؟ أم السارق أنزل درجة من الفاسد؟

إن كنت ياعزيزي تتبع علم المنطق، فلا بأس أن نحشر المنطق في مسألة ليست شائكة؛ ولا خلاف عليها عند أغلبنا على الأقل، إذا كان السارق يسرق مالًا، والفاسد يفسد للمال، ولكن ما حاجة هذا أو ذاك لهذا المال، السارق أم الفاسد؟

إذا أمعن النظر في الموضوع وبنظرة «منطقية» وليست «مناطقية» نجد أن كليهما وجهان لعملة واحدة؛ وتؤدي إلى طريق واحد وهو الإجرام، السارق يسرق ليرتفع عن الثرى، أما الفاسد يفسد ليزيد ثراؤه ثراء، السارق يجني على شخص، أما الفاسد يجني على مجتمع، إذا من منهما يجب أن يعاقب بأقصى عقوبة السارق أم الفاسد؟

إن كانت إجابتك كإجابتي، إذًا لماذا يسجن السارق ويبرأ الفاسد؟!