كتب الدكتور أحمد داود أوغلو في كتابه «العمق الاستراتيجي» (موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية) معادلة لقوة الدولة، فقال:

القوة = [(التاريخ + الجغرافية + عدد السكان +الثقافة) + (القدرة الاقتصادية + القدرة التكنولوجية + القدرة العسكرية)] x الذهنية الاستراتيجية x التخطيط الاستراتيجي x الإرادة السياسة.

هنا نطرح السؤال التالي: هل هذه المعادلة خاصة بالدول أم أنها يمكن أن تشمل الثورات أيضًا؟

بالرجوع إلى مفردات المعادلة نجد أنها متطابقة مع العوامل المؤثرة على نجاح أي ثورة، وبالتالي يمكننا أن نستخدمها لدراسة قوة أي ثورة. هنا اخترت الثورة السورية لتطبيق هذه المعادلة، وكخطوة أولى سوف نقوم بإعطاء تعريف لكل متغير داخل هذه المعادلة آخذين بعين الاعتبار أن قيم هذه المتغيرات تترواح في مجالين [الصفر إلى الواحد] تمثل الحالة السالبة والضعيفة للمتغيرات فكلما اقتربت من الصفر ازدادت سوءًا دومًا أكبر من الصفر، [أكبر من الواحد] وتزداد بازدياد قيمة المتغيرات.

مجموعة المتغيرات الثابتة

التاريخ: يمثل حركة الشعب عبر عقود الزمن السابقة ضد الظلم والاستبداد ويشير بشكل صريح إلى طبيعة الشعب إن كان خانعًا أو ثائرًا.

الجغرافيا: هي البقعة الجغرافية التي ينتشر عليها الحراك الثوري أو الذي يمكن أن يصل إليه هذا الحراك.

عدد السكان: هو عدد المشاركين بالثورة بالإضافة لعدد المؤمنين بها.

الثقافة: تمثل وعي الشعب وقدرته على التفاهم فيما بين مكوناته وهي غير مرتبطة بالشهادات العلمية.

مجموعة المتغيرات المتغيرة

القدرة الاقتصادية: هي حجم الدعم الذي سوف تحصل عليه الثورة من أبنائها أو من خارجهم علمًا أنه إذا زادت نسبة الدعم الخارجي عن الداخلي نقصت قيمتها.

القدرة التكنولوجية: هي حجم الكفاءات الموجودة داخل أبناء الثورة والقادرة على تسخير التكنولوجيا بمختلف أنواعها لخدمة الحراك الثوري.

القدرة العسكرية: هي مقدار القوة التي تمتلكها هذه الثورة وفي حال الثورات السلمية تكون أصغر من الواحد.

المتغيرات الوسيطة

الذهنية الاستراتيجية: هي مؤشر على مدى استيعاب أبناء الثورة لقيمة الثوابت والمتغيرات التي تمتلكها ثورتهم.

التخطيط الاستراتيجي: هي قدرة أبناء الثورة على بناء خطط للحراك الثوري بناءً على القدرات التي تمتلكها الثورة.

الإرادة السياسية: هي عملية إفراز الثورة لشخصيات قادرة على التفاهم مع عموم أبناء الثورة وقادرة على استخدام الخطط الاستراتيجية للحراك الثوري بهدف زيادة قيمة نقاط الضعف في الثورة والحصول على المنفعة الكبرى من نقاط القوة وفرض إرادة الثورة على المجتمع الدولي.

● بعد ذكر هذه التعاريف ننتقل إلى بعض الملاحظات عن مدى تأثير بعض هذه المتغيرات:

تعتبر المتغيرات الثابتة مجتمعة فيما بينها والمتغيرة المتغيرة مجتمعة فيما بينها أيضًا ذات تأثير متوسط، أما كل متغير منهما على حدة فهو ذو تأثير ضعيف، بينما المتغيرات الوسيطة يعتبر كل متغير منها ذا تأثير عالٍ.

نعود إلى تطبيق المعادلة على الثورة السورية وهنا سوف نقوم بتقسيم الثورة السورية إلى ثلاث مراحل كل مرحلة تمثل سنتين من عمر الثورة وسوف نطبق المعادلة على كل مرحلة منها على حدة.

المرحلة الأولى

كانت مجموعة المتغيرات الثابته باستثناء الجغرافيا في أعلى قيمها، حيث كان المتغير الجغرافي في قيمة متوسطة نسبيا لأن الثورة كانت في مرحلة الانتشار وازدياد البقعة الجغرافية التي تمثلها.

أما مجموعة المتغيرات المتغيرة فكانت القدرة الاقتصادية والقدرة التكنولوجية بأعلى قيمها حيث لم يكن الحراك الثوري بحاجة إلى كم كبير من المال وبالتالي كان التمويل داخليا وكافيا، كما في القدرة التكنولوجية أيضًا استطاع الثوار استغلال وسائل التواصل الاجتماعي بشكل قوي لإيصال صوتهم إلى وسائل الإعلام من محطات تلفزيونية وجرائد وغيرها ولم يغفلوا عن الجانب الامني أيضًا، أما القوة العسكرية فكانت قيمتها صغيرة جدًا.

أما مجموعة المتغيرات الوسيطة فكانت الذهنية الاستراتيجية والتخطيط الاستراتيجي ذواتا قيمة أعلى من المتوسطة وكانت قيمة الإرادة السياسية أقل من المتوسط حيث كانت هناك محاولات لبناء تمثيل سياسي للحراك الثوري.

وبتطبيق هذه القيم على المعادلة يمكننا القول إن المرحلة الأولى من الثورة كان تتسم بالقوة النسبية.

المرحلة الثانية

فيما يخص المتغيرات الثابتة كان هناك ارتفاع كبير بقيمة الجغرافيا وارتفاع بسيط بعدد السكان مع انخفاض بقيمة الثقافة عما كانت عليه بالمرحلة الأولى وحافظ التاريخ على قيمته.

أما تلك المتغيرة فكان هناك ارتفاع ملحوظ للقوة العسكرية والذي سبب بانخفاض قيمة القوة الاقتصادية لما تتطلبه من نفقات تفوق إمكانية أبناء الثورة وحافظت القدرة التكنولوجية على قيمتها.

أما مجموعة المتغيرات الوسيطة فحافظت الذهنية الاستراتيجية والتخطيط الاستراتيجي على قيمتها أما الإرادة السياسية فانخفضت قيمتها بسبب ضعف الترابط بين الحراك الثوري والكتل السياسية التي تشكلت في المرحلة الأولى.

بتطبيق هذ القيمة على المعادلة نجد أن قيمة المتغيرات الثابتة والمتغيرة مجتمعة تقارب قيمتها التي كانت عليه في المرحلة الأولى أما الانخفاض الحاصل في قيمة الإرادة السياسية جعل من القيمة النهائية لمعادلة القوة أقل مما كانت عليه في المرحلة الأولى.

المرحلة الثالثة

في هذه المرحلة انحدرت قيمة كل المتغيرات الثابتة إلى أقل مما كانت عليه في المرحلتين السابقتين.

أما المتغيرات المتغيرة فتابعت قيمة القوة العسكرية ازديادها وبالتالي استمرت القوة الاقتصادية بالانخفاض كما أن قيمة القدرة التكنولوجية بدأت بالانخفاض أيضًا.

أما المتغيرات الوسيطة فكانت بأسوأ حالاتها فانخفضت قيمة الذهنية الاستراتيجية وشبه انعدم التخطيط الاستراتيجي وتلاشت الإرادة السياسية وبتطبيق المعادلة على هذه المرحلة نجد أن قيمة معادلة القوة تكاد تكون صفرًا.

وهذا يدل على أن الخط البياني للثورة بدأ من أعلى مستوياته وثم بدأ بالانخفاض وإذا استمر الوضع على ما هو عليه في المرحلة الثالثة فربما سوف نشهد موت الحراك الثوري وعودة الأسد بقوة إلا إذا تمكن أبناء الثورة من استعادة سيرتهم الأولى فسوف يعود الخط البياني بالارتفاع من جديد. ويجب عليهم التعلم من أخطاء المراحل السابقة للسير بهذا الخط إلى نقاط أعلى مما كانت عليه في المرحلة الأولى بزيادة التركيز على مجموعة المتغيرات الوسيطة بسبب ارتباطها بعلاقة ضرب بباقي عناصر المعادلة وبالتالي هي التي تملك القدرة على تغطية أي انخفاض في قيمة باقي المتغيرات والحفاظ على قيمة القوة بأعلى صورها.