أبدأ كتابة تلك السطور في حالة من العشوائية التامة وبعيدًا كل البعد عن أي ترتيب للأفكار ولو بشكل سطحي. في الحقيقة لا أدري موضوع المقال حتى لحظتي هذه مجرد ومضات داخل عقلي على مواضيع شتى في بداية المقال وجب التنويه أن السطور القادمة تحمل هرتلة تامة لعشريني السن في آخر الليل.

أول ما خطر ببالي من أفكار كانت تفكيري في شقاء التفكير للبشر، لطالما قرأت للأدباء تلك المقولة المكررة على اختلاف تركيبها وصياغتها من واحد لآخر ”إن الوعي الكامل هو جحيم حقيقي” المعرفة سر الألم في غالب الأحيان، تلك حقيقة لا تحمل للشك مكانًا في تجربتي الشخصية ومعرفتي الثقافية بشكل عام، كلما عرفنا أكثر كلما أدركنا أكثر كلما كنا أكثر قربًا للحقيقة كلما كان قربنا للألم والقلق والخوف المزمن مما مضى وما هو آت، لكن طريق الحقيقة هو اختيارنا، نحن ثلة التعساء الذين وافقوا على دفع الزمن مقابل المعرفة وآثروا أن يكونوا معذبين على بينة لا سذج سعداء أولئك هم الذين أبحث في كلماتي تلك لهم عن رثاء، أثناء ذلك التفكير حضرني تطلع آخر يبحث عن السعادة في الدين وفي نعيم الآخرة وأخذت أفتش في ذهني داخل النصوص التي مرت عليّ عن أفضل نعيم الجنة وهنا استوقفتني تلك الحقيقة الصادمة لي على المستوى الشخصي بشكل لا يوصف، أن أعظم نعيم أهل الجنة هو المعرفة!

نعم المعرفة في صورة كشف الحجاب الأكبر الذي نهينا عنه تفكيرًا حتى في الدنيا، رؤية وجه الخالق هي أعظم نعم أهل الجنة كما نصت السنة النبوية فيما رواه البخاري (6088) ومسلم (267) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن ناسًا قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله: ”هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟” قالوا: لا يا رسول الله. قال: ”هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا. قال: ”فإنكم ترونه كذلك”.

وفي هذا تجلٍ كامل لفكرة الكشف أنه بعد الآن لا حاجب ولا مانع، فقط معرفة مطلقة ونعيم مطلق وإجابة مطلقة لكل تلك التساؤلات التي أرقت أجفانكم في الدنيا، لذا فإن الرثاء لأولئك الذين أرهقهم ثقل المعرفة هو جزاؤهم من نفس جنس همهم فلا تبتئس.

وعلى صعيد آخر من هرتلات تلك الليلة كانت مقارنة بين الحب والحياة، لا أدرك منبع تلك الفكرة ولا حتى إن كانت علميًا يمكن تسميتها فكرة ولا جدوى مشاركتها ليقرأها أولئك العابرون في تلك السطور هي مجرد هرتلات صرفة بلا رغبة ولا هدف سوى نقل تلك الحالة إلى أولئك المارة، سوى الرغبة المطلقة في الفيض بذاك الهاجس على مسامع لا تبالي حقًا وإن أظهرت المبالاة، إن هاجسي قائم بشكل كلي على ذاك التشابه المطلق من زاويتي الضيقة التي أرى من خلالها العالم بين الحب والحياة، كانت البداية كما عادت أفكاري بالتناقض، فبضدها تتعارف الأشياء، حين فكرت كيف تكونت فكرتي تلك عن الموت وأنا ذا ابن العشرين لم يصبني ولا في أحبتي موت بفضل الله، وبقليل وقت وكثير تفكير اتضحت لي تلك الفكرة الكامنة في عقلي أن فكرتنا عن الموت لا تعدو فكرتنا عن الفقد. هنا أدركت أني أعرف عنه الكثير فأنا والفقد رفاق من زمن ليس بالقصير، إن جوهر الموت في أعيننا فقد مطلق نذوق منه مرارات في خيالاتنا ونبقى دائمًا نخشى صورته الكاملة في شكل الموت وإن أظهرنا بحمق وسذاجة أننا لا نعبأ به إلا أننا نعبأ بشدة ونخاف.

وإن كان الفقد هو موتنا فالحب حياتنا باستنتاج منطقي بسيط ‒ وإن كان جوهر المقال هرتلة لا تمت للمنطق بصلة ‒ حيث لا حياة لنا إلا بتلك الشعلة التي توقد في النفس حياة إن كانت حب الله أولًا في الأديان أو حب فطرة أو حب أشخاص، تلك التي لا تعمل آلة الحياة إلا بها والتي إن فقدت يفقد معها كل وصل وتتدهور الصلات والأولويات حتى ترى من يكتب مثل تلك الهرتلة أمامك!