شاب تونسي يحاول الانتحار في القصرين في تونس(21 يناير/2016/Getty)

هيفاء بيطار

بالكاد نلاحظ في الشريط الأخباري عبارة قصيرة: انتحار مجموعة من الشبان المصريين بسبب سوء الأحوال المعيشية. يمر الخبر أخرس، كما لو أنه لا يستحق أن يُقرأ ويُحلل، لمعرفة الأسباب الحقيقية التي تدفع شباناً مصريين (بالتأكيد هنالك شباب عرب ينتحرون) إلى الانتحار. حتى أن عبارة سوء الأحوال المعيشية باهتة تختزل القهر والفقر والبطالة والتهميش واليأس وانعدام فرصة عمل، وفقدان الثقة في المستقبل وتحقيق أبسط الأحلام. لكن، من يبالي بشباب عرب ارتبطت صورتهم، في السنوات الأخيرة، بحمل السلاح، كما لو أن ثمة منعكساً غير إرادي يحصل لدينا، فبمجرد لفظ كلمة شاب عربي تلتصق بصورته البندقية أو الدبابة، أو أسلحة متطورة، تعمل الفضائيات على تثقيفنا بأنواعها، لأننا نعيش زمن ثقافة السلاح والقتل وتنويعات الموت الروحي والجسدي.


تستوقفك العبارة المكتوبة في الشريط الإخباري عن انتحار مجموعة من الشبان المصريين بسبب سوء الأحوال المعيشية، ليس لأنها تفاجئك وتصدمك، فأنت تعلم، مثل كثيرين غيرك، أن البطالة واليأس وانعدام الأمل بالعمل وتأمين حياة كريمة أسباب قد تدفع إلى الانتحار، خصوصاً لدى الشبان الممتلئين طاقة وأحلاماً وحباً للحياة، لكنهم يجدون طاقاتهم مُعطلة ومكبوحة، كما لو أن ثمة عصياً توضع بين الدواليب، وتعيق مسيرة الحياة. صدمني هذا الخبر، وحرّض ذاكرتي على استحضار ظواهر خطيرة وغريبة في عالمنا العربي، فظاهرة الانتشار الكثيف لعربات بيع القهوة في زوايا اللاذقية وحلب، وغيرها من المدن، مُريبة. كل أمتار عدة، تجد عربة صغيرة مُتخصصة في بيع القهوة ومشاريب باردة تُسمى سلاش، (نوع من بودرة الفاكهة ممزوجة بمادة ملونة والثلج).

من يراقب هذه العربات المتناثرة في كل شوارع اللاذقية وحلب يعتقد أن القهوة أهم مادة في الحياة، ولأنني ارتبت بهذه الظاهرة، فقد بدأت أسأل شباناً يشترون القهوة والسلاش من هذه العربات. وأكد لي مراهقون وشبان عديدون أن طعم القهوة غريب، وأكد أحدهم لي أن طعم السلاش الذي شربه طعم الفودكا، وأنه متأكد من أن الشراب ممزوج بالفودكا. واعترف أحد الشبان لي، بعد تردد، أن بعض الباعة يعطون الشباب المواظبين على شرب القهوة من عرباتهم حبوباً (دواء) يقولون، إنه دواء مُنشط، تجعل من يتناول حبة الدواء سعيداً ومُنتشياً ساعات، ثم ينتابه إحباط قاتل ويأس، فيسارع إلى بائع القهوة المسمومة.
قد لا يبدو هنالك ربط مباشر بين انتحار شباب عرب والتكاثر السرطاني لعربات بيع القهوة والسلاش المسمومين بمواد مخدرة وتؤدي إلى الإدمان وتحطيم القدرات الذهنية والعقلية للشبان، وتدفعهم إلى فقدان السيطرة على أعصابهم وارتكاب أفعال قد ترقى إلى مستوى الجريمة، من دون وعي منهم، بل وتزيد من ظروفهم المأساوية، فبدلاً من أن يشحذوا طاقاتهم الغنية لمصارعة أقدار وظروف ظالمة، تُهمشهم وتظلمهم، وبدلاً من أن يقتحموا العمل السياسي للحصول على حقوقهم، يجدون أنفسهم واقعين في فخ الإدمان على تناول حبوب الهلوسة الممزوجة مع القهوة والسلاش، مشلولي الإرادة وفاقدي العزيمة للإصرار على حياة كريمة.
الشباب العربي الذي يشكل أكثر من 70% من التعداد السكاني هو المخوّل الوحيد لبناء وطن،

“أي عار أن ينحرف شبانٌ عديدون بسبب البطالة أم الرذائل، ويتحولون إلى لصوص ومحتالين؟”

يتميز بالحضارة والعيش الكريم والحرية والعدالة، فأية ظروف مُخزية ووحشية القسوة تدمر طاقات الشباب، وتحشرهم في نفق مُعتم لا ضوء في نهايته، أينما تلفتنا نجد تنويعاتٍ من قهر الشباب العربي وإذلاله. الآلاف الذين ماتوا في حروبٍ لا تعنيهم، بل استخدموا فيها كمجرد وقود وأدوات لمصالح دول ومليشيات. مات آلاف منهم غرقاً في البحر، وهم يقذفون بأنفسهم في قوارب الموت، لينجوا من حكام يذلونهم، ويدفعونهم إلى الموت تحت راية شرف الشهادة. كم من آلاف منهم يتسولون السفارات الغربية للحصول على فيزا للفرار من قدرٍ محتوم في وطنهم، إما الموت الجسدي أو الموت الروحي. وعلى الرغم من كل تلك المُعطيات والمخاطر الفادحة التي تهدد المجتمع والوطن، بسبب انتحار الشبان وإدمانهم وتهميشهم وتدمير طاقاتهم، لا نجد جهاتٍ رسميةً، ولا منظمات إنسانية وحقوقية، تعطي القضية حقها من الاهتمام والدراسة، وبحث الأسباب العميقة لانتحار الشباب العربي، وإدمانه على المخدرات، بل الكل مشغول بداعش التي تبدأ الأخبار بها وتنتهي بها، ليت واحداً في المائة من الندوات والبرامج الحوارية التي تُقام عن داعش تُخصص لمناقشة أزمة الشباب العربي.
أي عار أن ينحرف شبانٌ عديدون بسبب البطالة أم الرذائل، ويتحولون إلى لصوص ومحتالين، لأن فرصة إيجاد عمل يضمن كرامتهم معدومة؟ أي عار أن يعرف كل سكان اللاذقية الشبان الذين يدّعون الدفاع عن المواطنين بأنهم من سرق البيوت في مصايف كسب وصلفنه وخرب ودمر. من يتحمل مسؤولية انحراف هؤلاء الشباب؟ ما دور الحكومات ومؤسسات الدولة؟ كيف أنسى نظرات اليأس والإحباط في عيون عشرات طلاب المعهد الطبي الذين كان لي شرف تدريسهم مادة تشريح العين، كانوا أكثر من مائة شاب وشابة موزعين على صفوف عدة، وكنت أقف متألمة وحائرة أمام نظراتهم الحزينة اليائسة والمُطفأة، وقد عبّرت شابة عن مأساتهم بأن الدولة غير مسؤوله عن توظيفهم، وبأنهم يحصلون على الشهادة التي هي مجرد ورقة لا تخدمهم في إيجاد عمل، وجيوب معظمهم خاوية كأحلامهم .
أتمنى لو يتحول الشريط الأخباري الصامت عن انتحار شباب عرب إلى صوت حق صارخ في البراري، كي لا ينهار الوطن ويضيع المستقبل، بأشكال وتنويعات تحطيم طاقات الشباب العرب وقدراتهم.