محمد أحمد بنّيس

يمثل الفساد أحد العناوين الكبرى لإفلاس الدولة العربية الحديثة، وعجزها البنيوي المتواصل عن إنجاز مشروعٍ وطني متكامل، تلتحم فيه الديمقراطيةُ بالتنمية والاستقرار الأهلي والاجتماعي، فهو لا يكتفي بتدمير الاقتصاد الوطني، وإضعاف شرعية السلطة، وإشاعة عدم الثقة داخل المجتمع، بل يتحول إلى ما يشبه “المرجعية الثقافية والأخلاقية” التي تقود الدولةَ والمجتمعَ وتوجههما في تفاعلاتهما المتباينة. لذلك، لم يكن مستغرباً أن يشكل القضاءُ عليه مطلباً حيوياً وأساسياً، رفعته ثورات الربيع العربي، إلى جانب مطالبها الأخرى، بشأن الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.


يتخذ الفساد في العالم العربي أشكالاً متعددة، ليس أقلها خطورة نهبُ المال العام عبر الصفقات الحكومية وسياسات الخوصصة، والتهربُ الضريبي، وتهريبُ الأموال للخارج، وتدخلُ الرأسمال في صياغة السياسات العمومية وتوجيهها، واستشراء الرشوة في أجهزة الإدارة والقضاء والأمن. ويظل الريع الظاهرةَ الأكثر خطورةً في بنية الفساد في المنطقة، نظراً لتعارضه، من ناحية، مع مبدأي الإنتاج والتنافسية اللذيْن يتطلبهما وجود اقتصاد قوي قادر على مواجهة متغيرات الاقتصاد العالمي. ولارتباطه الحيوي، من ناحية أخرى، بوجود الأنظمة القائمة التي أسست شرعيتها وسلطتها ونفوذها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي على تحالفاتٍ اجتماعيةٍ محكمةٍ ومدروسة، من خلال شبكة نخب معقدة (العائلات الكبرى، أعيان القبائل والعشائر، رجال الأعمال..)، أضحت، بمرور الوقت، جسراً لمرور العمولات والرشى والمنافع والمصالح والامتيازات المتعددة، وتداولها وتبادلها، بعيداً عن سلطة القانون ورقابة المؤسسات والرأي العام. كما أن ارتفاع المداخيل الريعية المختلفة (عوائد النفط والقطاع العام، تحويلات المغتربين، المساعدات الخارجية..) وتوظيفها بشكل سيئ من هذه الأنظمة أسهما في إهدار الثروات الوطنية وتبديدها سنوات طويلة، ما أدى إلى تزايد نسب الفقر والبطالة، وانتشار مظاهر الإقصاء والتهميش، وتدهور الأوضاع المعيشية لشرائح واسعة من المجتمع. فضلا عن أن تصاعد ارتباط النخب الحاكمة بالكيانات الاقتصادية العملاقة التي أفرزتها عولمةُ الاقتصاد، أمَّن للأخيرة الوجود في قطاعات حيوية في الاقتصادات المحلية، واختراقَ مواقع القرار الوطني، الأمر الذي يساهم، بشكل كبير، في إعاقة التنمية والاستقرار والتماسك الاجتماعي، لا سيما مع تحول هذا الارتباط المشبوه إلى شبكة معقدة من المصالح السياسية والاقتصادية العابرة للحدود والجغرافيات.
يبدو استدعاء البعد السوسيولوجي مهماً في فهم هذه الظاهرة، والإحاطة ببعض آليات اشتغالها،

“اعتادت السلطوية أن تعتاش على “اقتصاد” محكم للفساد”

فلا تزال معظم المجتمعات العربية تقليدية في بنياتها وهياكلها. ولذلك، لا تستقي السلطةُ السياسية فيها مشروعيتها من مصادر عقلانية، أسوةً بالمجتمعات الحديثة، بل تلجأ إلى الدين والتاريخ والتقاليد، لبناء هذه المشروعية وتسويقها عبر مختلف قنوات التنشئة الاجتماعية والسياسية. هنا، يصبح بناءُ نسق فساد مورداً حيوياً بالنسبة لاستمرار هذه السلطة بكل مكوناتها ومؤسساتها. ومع تعاقب الأجيال، وبطء إيقاع الحراك الاجتماعي، وانسداد آفاق التغيير السياسي، يفرز هذا النسق خطابه القيمي، ويعمل على ترويجه وتبريره، وجعله مقبولاً بين فئات المجتمع المختلفة وشرائحها.
على ضوء ذلك، نفهم أبعاد الزلزال الذي أحدثته الثورات في جسم السلطوية العربية قبل خمسة أعوام، وهي التي تعودت، عقوداً طويلة، أن تعتاش على “اقتصاد” محكم للفساد يخترق مجالات الحياة الاجتماعية المختلفة. ففي تونس واليمن، فتح نظاما زين العابدين بن علي وعلي عبدالله صالح مقدرات البلدين وثرواتهما أمام أفراد عائلتيهما وأقربائهما بلا حسيب أو رقيب. وفي مصر، تحولت حفنة من رجال الأعمال المقربين من حسني مبارك إلى أهم ركيزةٍ يستند إليها نظامه الفاسد، بتمكينهم الممنهج من التحكم في أهم قطاعات الاقتصاد المصري الضعيف أصلاً، وذلك في أحد أسوأ نماذج زواج المال والسلطة في المنطقة. أما في ليبيا، وعوض استثمار عوائد الثروة النفطية الهائلة في البنية التحتية، وبناء مشاريع اقتصادية واجتماعية منتجة، أصبحت هذه العوائد مغنماً مفتوحاً لتمويل حماقات القذافي وأبنائه ونزواتهم، مع غياب الحد الأدنى من الرقابة والمحاسبة. وفي العراق، عرفت الأعوام التي تلت الاحتلال الأميركي ارتفاعا غير مسبوق في معدلات الفساد في هذا البلد الغني، خصوصاً مع وجود حكم طائفي، شكل الفساد أحد مرتكزاته الرئيسية.
إذا كانت مناهضة الفساد ضمن أبرز المطالب التي رفعها المحتجون في ساحات الحراك الشعبي العربي وميادينه، فإن مؤشرات منظمة الشفافية الدولية لا تزال تضع أقطارنا في مراتب متقدمة في هذا الصدد، على الرغم من كل ما يقال عن “جهود” الحكومات ومنظمات المجتمع المدني في العمل على نشر الوعي بخطورة هذه الآفة، والتقليل من نتائجها الوخيمة على الاقتصاد والتنمية والسلم الأهلي، ما يعني أن القضاء عليها يتطلب إقامة عقد اجتماعي جديد، يمهد الطريق أمام تحديث شامل لبنيات الدولة والمجتمع.