سليم حاج يحيى.. مساهمة فلسطينية في عالم الطب

زياد خداش

حدث عظيم ما زالت فلسطين تعيش طعم حلاوته، ووقع مفاجأته. بروفسور فلسطيني شهير ينجح في عملية زراعة أول قلب صناعي في فلسطين، بعد أن قرر العودة إلى فلسطين، والعمل في خدمة شعبه، قائلا: أعطيت كثيراً للعالم، وطوّرت مؤسساتٍ طبيةً كثيرة في أكثر من دولة، وقد آن أوان العودة إلى بلادي لخدمة شعبي. وفي مفاجأة له، نظم طلاب الطب والصحة العامة في جامعة النجاح (يرأس الآن عمادة الطب فيها ومستشفاها) في نابلس احتفالاً تكريمياً له، دعا فيه كوادر فلسطين وطاقاتها في المجالات كافة للعودة وبناء البلد. ولم يصدّق الفلسطينيون هذا الفرح الذي عم المدن كلها.


نحن، إذن، قادرون على صنع المعجزات. نحن، إذن، نستطيع أن نهدي العالم عباقرة ومفكرين وشعراء. يا له من توقيت مناسب، من رد مناسب، من بديل رائع، من خيار آخر، أن تأتي عاصفة النجاح القصوى التي دشنها بروفسور سليم حاج يحيى، ابن قرية الطيبة الفلسطينية، لتكون مصدراً لاستعادة ثقتنا بقدراتنا التي فقدناها في مهب موتنا المجاني السريع، موت ما زال يعصف بنا، خاطفاً أطفالنا، ومحيلاً حاراتنا إلى جنازات يومية، وبيوتنا إلى كتل للنحيب والزغاريد المحزنة وألم الفقد.
شعور عارم بالنشوة أن نشعر فجأةً بأن ثمّة فلسطينياً في هذا العالم يشكره العالم، ويحبه، ويعترف بأثره وتأثيره فيه. فلسطيني ينشئ مراكز طبية في أكثر من دولة متقدمة في العالم. فلسطيني تننافس على خبرته وعبقريته الطبية أكبر مستشفيات العالم. فلسطيني من طليعيي أطباء العالم الذين اكتشفوا نظرياتٍ جديدةً في حل مشكلات القلب وزراعة الرئة. فلسطيني، يتجول في العالم حاملاً شعاراً واحداً من ثلاث مفردات: العلم، الوطنية، الإنسانية.
الصورة تذكّرنا بإدوارد سعيد ومكانته العالمية، قوة خطابه الثقافي في الغرب، وعمق رؤيته وعلميتها، شخص آخر في وسعنا استدعاؤه الآن ليكون الفلسطيني الثالث الذي كانت له مكانته الخاصة في العالم، أدبياً. أتحدث طبعا عن محمود درويش الذي يقرأه العالم باهتمام الآن، ويعرف عن فلسطين من خلال قصائده أكثر مما يعرف عنها من خطابات السياسيين والمحللين وكتاب التاريخ السياسي. ثلاثة فلسطينيين أثروا في العالم، وقدموا فلسطينيتهم بشكل إنساني، كانوا من خلالها أنبل الرسل لقضيتنا وخير الممثلين لها.
(كوادرنا الفلسطينية أقوى من الأجنبية) هذا قول آخر للبروفسور الفلسطيني الذي طبقت شهرته الآفاق، أية طاقة ثقة ومحبة تمنحنا إياها هذه الجملة من خبيرٍ فلسطيني عالمي لا يجامل ولا يزوّق الحقائق؟ أي أثر ستحدثه هذه الجملة فينا، نحن الذين تعوّدنا على الامتعاض من حالتنا، وجلد الذات والخجل من حياتنا الممتلئة بالخرافات والموت والتخلف؟ نحن متخلفون ومعوقون ومهزومون. نحن أوغاد وبدائيون ومتوحشون، نحن سفلة وجبناء ومصلحيون وفاسدون، أليست هذه النعوت من مفردات قاموس شتائمنا اليومي لأنفسنا حين تحتدم هزيمتنا؟ لا، نحن طبيعيون جداً مثل كل الشعوب. فينا الغبي وفينا العادي وفينا العبقري. لا يوجد في العالم شعب غبي بالمطلق، أو ذكي بالمطلق. لم يكن انتصار الصهيونية علينا لأننا شعب غبي، بل لأننا لم نحسن استغلال ذكائنا، تأتي نجاحات وإنجازات بروفسور يحيى في لحظة فلسطينية، غاية في العتمة والتراجع على صعيد المعنويات. الخلل الخطير الذي أصاب مفهوم النضال في سبيل الوطن، ضحاياه أطفالنا الذين يقضون انتحاراً، يظنونه نضالاً. هذا النضال الغريب صار يشكل قلقاً للآباء والأمهات، والفضائيات بحسن نيتها تحرّض على هذا النوع من الموت، غير منتبهة للأثر المدمر له على حياتنا.
مسؤولية ضخمة تقع على المدرسين والمفكرين والمثقفين والإعلاميين الشرفاء في فلسطين، تتلخص في تعليم أهمية النجاحات الفلسطينية على صعيد البناء الفكري والتطور الطبي والإبداع الثقافي وتدريسها، إنقاذاً لأطفالنا من تشوه نظرية الكفاح.
تحية كبيرة للبروفسور سليم الحاج يحيى، مثبت نظرية فلسطين قادرة، نعم قادرة.