مؤتمر لحزب الشعوب الديمقراطية في أنقرة (24يناير/2016/Getty)

أحمد عمر

يدعوني خوجة إسماعيل إلى الفطور، إذا كان الوقت صباحاً، أو الغداء إذا كنا في الظهيرة.. فأبتسم، والابتسامة علامة الرضى غالباً. يضع قِدراً على النار، ثم يقطّع فيها ما شاء من الخضار، مع الزبدة والبهارات، ويهرع إلى الفرن المجاور، فيحضر رغيفين من خبز “اللواش” الذي يسمونه في سورية أحجار القلعة. الخوجة يثق برأيي، ويسعد كثيراً بحديث الرقاق والأذكار.


مررت بالبقالية عصراً، فلوحت لي زوجته، وطلبت مني أن أبلغ زوجها بضرورة الحضور فوراً إلى البقالية. دلتني على عنوان مكتب حزب الشعوب الديمقراطية، كان الرفاق مجتمعين على تزكية خوجة إسماعيل نائباً عن حي مولانا. نقرتُ الباب الزجاجي، ودخلت وأبلغت خوجة الرسالة. فوجئ المجتمعون بلهجتي الكردية، فدعوني للجلوس، أمّا خوجة فخرج من مكتب حزب الشعوب، ملبيّاً أوامر الأمين العالم لحزب العائلة؛ زوجته!
مرّ نوري من أمام المكتب، فأشرت له ليدخل، شاي الإبريق العمارة، السماور في المكاتب التركية يزغرد على النار في كل حين، والترك يشربون روح الشاي المرّة، الخمير. انبرى شاب اسمه دينيز، وبارك لنا الثورة في “الغربية”، إنهم يعتبرون ما يجري في “روج آفا” ثورة! تجنبت الشاي، لأسباب لها علاقة بتضخم البروستات. سدّد دينيز سبابته، وقال لي: كيف تتركون صالح مسلم يحارب وحيداً في الميدان؟
قلت له: ثُمالة روحي، صالح مسلم لاجئ في فنلندا، وأحيانا يزور الميدان للسياحة.
صُعق وأفحم. سرَّ نوري بدفاعي، لم أكن متأكداً من مكان اللجوء. استمر دينيز بالهجوم وقال: كان يجب أن تبقوا في كانتون “الغربية”.
لجمت غضبي المسعور، وقلت: ثُمالة روحي، تطردنا؟ لمَ غادرتَ أنت ماردين إلى إسطنبول؟ حزبكم الكريم اسمه حزب الشعوب الديمقراطية، لم أسمع بحزبٍ له مثل هذا الاسم الكوني! اسم حزبكم الموقر، يحتم عليكم أن تقبلوا بالرأي الآخر، أنا من المعارضة، يا ثمالة روحي.
اجتمع علي الرفاق جميعاً: ولكن، يجب أن نكون على قلب رجل واحد.
قلت لهم: ثمالات روحي، على قلب رجل واحد، وليس تحت جزمة رجل واحد. أزعم أني ديمقراطي، وأنّ للمرء أن يختار مخدة الحجر التي تناسب رأسه لينام عليها، وحتى إذا كان هناك رجل واحد، فعلينا أن ننتخبه، نغيّره كل فترة، أو نغيّر جزمته، حتى لا نفطس من رائحتها.
نهضت غاضباً: هذه شايكم ردّت عليكم.. عن إذنكم. خرجنا تاركين الباب مفتوحاً. نوري قبّلني، وقال: أنت روحي، كويت “البطرون” كياً.
عصراً، رويت للحجي الواقعة المهينة للذكرى، فغضب الحجي وادّكر، وقال لي: انتظرني الساعة السادسة عند الجامع.
جاء الحجي في السادسة، ومعه عشرة رجال لابسين الفروات، كل فروة مصنوعة من صوف سبعة أكباش، مسلحين بالبنادق المخفية في المعاطف، يجرّون وراءهم عاصفةً من غبار الغضب مثل فيلم “حدث ذات مرة في الغرب”. وقف شعر رأسي من الرعب، الدم سيسيل إلى الركب من أجل كوب شاي. كنت أظن أنّ الحجي سيعاتب دينيز. الحجي “خلية نائمة”، دمه يغلي من شرارة. أخبرني، مرّة، أنه يخفي مدفعاً في الحديقة، ويستطيع أن ينسف مكتب الشعوب المنكوحة من كسرى والقيصر، ويجعله قاعاً صفصفا. العشرة عانقوني، بينهم غلام طويل لم ينبت الشعر في وجهه، قبّل يدي. بلعت ريقي وتبعتهم. بلغنا المكتب، ودخلنا، نهض الرفاق جميعاً، توجه الحجي بالكلام إلى دينيز، وسأل: أحزبكم هو حزب الشعوب الديمقراطية أم حزب الشعوب القرباطية؟
ارتبك دينيز، وركع على يد الحجي يقبّلها، فأمره: اعتذر من الخوجة، أو لأملأن عليك أوسمان باشا خيلاً ورجالاً. لم أكن أعرف أنّ الحجي يعتبرني خوجة. مال إليّ دينيز، وعانقني مرعوباً. خرجت مذهولاً بنجدة الحجي وغضبته. لاحقاً، انسحب خوجة إسماعيل من الحزب. اختلقت ذريعة، وهربت إلى حي الفاتح، خوفاً من تداعيات كوب الشاي الذي لم يشرب بسبب تضخم بروستات… الرأس.