مسامير الشرطة المحترمة في جسد مالك

وائل قنديل

تعيش مصر محشورة بين إصبعي “السبابة” و”الوسطى” منذ خمسة أعوام، إذ ينتصب “سبابة العسكر” في وجوه الجميع منذ خلع حسني مبارك، مهدّداً ومحذراً، ومتوعداً كل ثائر أو متظاهر بالعقاب الفوري.

فيما لم تنزل الشرطة إصبع “الوسطى” أبداً، إذ تشهره في وجه الكل، تعبيراً عن الازدراء والإهانة، والتعامل مع الشعب على أنه مجموعة من الساقطين، وتستخدمه كثيراً في انتهاك ضحاياها جسدياً، رجالاً كانوا، أو نساء. لم تتوقف بذاءة النظام، قولاً وفعلاً، يوماً واحداً، غير أن بذاءة الأفعال وفحش الإجراءات، فاقا بذاءات اللسان بمراحل، حتى باتت حكايات اغتصاب السيدات على أيدي أجهزة السلطة أمراً مكرّراً، بحيث لم يعد يثير دهشة أحد، لتصل البشاعة إلى حد الاعتداء جسدياً على فتيان في السجون والمعتقلات.

يبدو مضحكاً، هنا، في موضوع الشابين، شادي ومالك، اللذيْن اضطرا إلى الاستخدام المفرط لسلاح السخرية، والرد على بذاءة الفعل السلطوي ببذاءة التعبير عن الألم، أن تسلك السلطة البذيئة، وأدواتها الأكثر بذاءةً، وكأنهم القائمون على الفضيلة في البلاد، ويضحكك أكثر أن الأكثر انحطاطاً في قاع السفالة في القول والإشارة، هم الأعلى صوتاً في المطالبة بنحر الشابين، بطلي ما عرف بموقع البالونة، على مذبح العفة.

لم يعرف عن هؤلاء يوماً أنهم من المدافعين عن الاحترام والفضيلة، خصوصاً هؤلاء المذيعين الذين يضعون “الوسطى” في أعين معارضي السلطة، ويسبونهم بأقبح الألفاظ، ويطلقون عليهم وابلاً من الإسقاطات والتلميحات الجنسية الوضيعة. وبالتالي، فدفاع هذه الكائنات التي نمت وترعرعت في قاع مؤسسة القمع والتعذيب ليس عن الفضيلة، أو قيم المجتمع، وإنما هو بالأساس دفاع عن ذلك الكيان الأمني الموغل في بذاءة المسلكيات والتصرفات.

لا يتسامح عبدة “الجيش والشرطة” مع من يقترب منهما بالنقد، فمن ينطق بكلمةٍ ضد ممارساتهما خائن مطرود من جنة الوطنية، ومن يستخدم السخرية الصادمة للذوق السلطوي العام كافر، عديم الأدب، منبوذ من فردوس فضيلتهم المزيفة.

يثير الأسى في منطق بعضهم قولهم إنه لا يليق أن يستغل الشابان جهل عساكر الشرطة الغلابة لممارسة السخرية من وزارة الداخلية في يوم عيدها، بينما لا يرى خدم الفضيلة المزيفة عيباً ولا غضاضةً في استخدام السلطة الحاكمة لجهل العساكر الغلابة في ممارسة أبشع عمليات التعذيب البدني والنفسي، بما تشمله من قتل واغتصاب للمعتقلين والمعتقلات.

ما فعله شادي ومالك يشبه كثيرا قصيدة الشاعر الرجيم، مظفر النواب، بعنوان “القدس عروس عروبتكم”، والتي استخدم فيها مفردات صادمة أو خادشة للذائقة التقليدية المحافظة ربة الصون والعفاف.  وقد علقت على ظاهرة الشيزوفرينا التي يعانيها قطاع من الجمهور العادي والمثقفين، تجعلهم يصفقون ويهللون لبذاءة الفعل السلطوي وحقارته، ويرون فيه منتهى الفضيلة، وفي الوقت نفسه، يضعون على وجوههم أقنعة القديسين وشيوخ العفة، ويتصدّون لصرخةٍ قد تجنح للبذاءة، من بشاعة الأفعال التي تمارسها السلطة بصاحب الصرخة.  كان المثقفون والإعلاميون “الكتبنجية السماسرجية”، بتعبير أحمد فؤاد نجم، في قصيدته “أبجد هوز.. سايجون” يغضون الطرف، ويمسحون أحذية أنظمة “أدخلت كل زناة الليل إلى غرفة عروس عروبتنا”، ويطلقون صيحات الدفاع عن الأخلاق والآداب العامة ضد الشاعر الذي اعتصره الألم على “القدس”، فأطلق قصيدته الغاضبة الجارحة.

الآن، يحدث الشيء نفسه مع مالك وشادي، فالثورة التي هي “عروس الوطنية المصرية الإنسانية” تصرخ تحت أحذية الشرطة، ولا يستطيع جمهورها الهتاف باسمها في ميدانها الأحب، ورمزها الجغرافي، ومن الناحية الأخرى، يهينها بعض المحسوبين عليها، حين يحولون إحياء ذكراها إلى حفلات بتذاكر، وأفيشات يتزاحم فيها نجوم مزيفون، على طريقة أفيشات السينما التجارية.

وجدت الثورة المصرية نفسها محاصرةً بين مؤسسةٍ أمنيةٍ غليظةٍ تمعن في الإساءة لها، وبين تجار نضال محترفين يستثمرون فيها، وبين متقاعدين يتفرجون عليها من بعيد، ليصبح ما فعله مالك وشادي صرخة ثورة جريحة، تشكل مع هتافات الجموع التي خرجت في نقاط  كثيرة على خارطة الوجع المصري، دليلاً مادياً ومعنوياً، دامغاً، على أن الثورة مستمرة، ولن تموت.

وكما زعمت سابقاً إننا مدينون بالاعتذار لمظفر النواب، ولما يسميها بعضهم “بذاءة” في قصيدته المنتفضة من أجل القدس، أجدني مديناً بالاعتذار للشابين، مالك وشادي، على ما لحق بهما من أذى، نتيجة صراخهما التعبيري الصادم، من أجل ثورة يتكالب عليها الجميع.