ماجد عبد الهادي

لقراءة المادة من الموقع الأساسي إضغط هنا

لا تحفظ ذاكرة المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، على الرغم من البؤس الطافح على صفحاتها، أي نوع من التدخل الدولي العلني، في حق كلا الجانبين بتشكيل وفديهما. صحيح أن منظمة التحرير ذهبت ابتداء إلى مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 تحت ما سمي المظلة الأردنية، وصحيح أن حكومة إيهود باراك اعترضت، عام 1999، من دون جدوى، على قرار الرئيس ياسر عرفات تكليف عضو اللجنة التنفيذية، ياسر عبدربه، رئاسة فريقه إلى مباحثات الوضع النهائي، لكن أياً من الجهات الراعية للتسوية السياسية لم يخرج يوماً على الملأ، ليقول للفلسطينيين؛ ذاك مفاوض شارك في “الإرهاب” ضد إسرائيل، فلا نريده، وهذا مفاوض معتدل ينبغي أن تضموه إلى وفدكم، إن أردتم نجاح العملية السياسية، وإلا فلا.


كانت الوفود الفلسطينية إلى المفاوضات، منذ أوسلو 1993 وحتى كامب ديفيد 2000، بل حتى ما قبل وفاة عرفات، يختارها هو بنفسه، وتضم، في الغالب الأعم، أسماءً شارك أصحابها في النضال السياسي والعسكري، ضد إسرائيل، ثم استمرت الحال على هذا المنوال، في عهد الرئيس محمود عباس، إلى أن بلغت عملية السلام نهايتها المشؤومة، بسبب أنواعٍ من التواطؤ الغربي مع الاحتلال، ليس أحدها التدخل في تحديد أسماء المفاوضين.
على النقيض من ذلك، بل على النقيض من كل المبادئ والقيم والتقاليد التي طالما حكمت التفاوض بين قوى الاستعمار وثورات التحرر الوطني، كما بين الطغاة ومعارضيهم، نرى اليوم مساعي تسوية الصراع في سورية محكومة علناً بتدخلات فظة في تسمية مفاوضي المعارضة، ليس فقط من الوسيط الدولي، وإنما أيضاً من طرفٍ يشارك في الحرب عليها، أي روسيا. هذه الأخيرة تعترض على أشخاصٍ في وفد المعارضة، بذريعة مشاركتهم في العمل العسكري، كما تريد إضافة أسماء محسوبة عليها، أو هي مجرد ظلال للنظام السوري، وذاك يهدّد بعقد المفاوضات بمن حضر، إذا بلغت مقاومة الضغوط حد الامتناع عن المشاركة في مؤتمر جنيف.
يستدعي الموقف، هنا، تساؤلات عدة عن المعنى والمغزى والأبعاد، منها مثلاً، ووفق منطق المقارنة، حتى مع أحد أسوأ الخبرات التفاوضية؛ لماذا يقترف مبعوث الأمم المتحدة، ستيفان دي مستورا، ما لم يجرؤ على اقترافه الموفد الأميركي، دينيس روس، عندما توسط في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وكيف نفسر تواطؤ أميركا مع نوعٍ من الإملاءات الروسية، التي ما كانت هي نفسها لتحاول فرض مثلها على الفلسطينيين، خدمةً لحلفائها الإسرائيليين، وهل السبب ضعف المعارضة السورية إلى درجة تنحدر كثيراً عما كانت عليه منظمة التحرير، أم أن السر يكمن في حرص ما يسمى المجتمع الدولي على توفير حماية لبشار الأسد من خطر وجودي، لم يسبق أن واجهه إيهود باراك، أو إسحق رابين، أو شيمون بيريس؟
ليتذكّر من يريد أن يتذكّر، إزاء هذه التساؤلات، أن وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، خرج بعد نحو أربعة أشهر من اندلاع الثورة الشعبية، ليقول بثقةٍ بدت حينها مثيرةً للدهشة، إن التدخل الدولي لن يحدث. كان الرجل، إذ ذاك، يُطمئن أنصار النظام، من طرفٍ خفي، إلى الحظوة التي يتمتع بها الأسد، في اللعبة الدولية، وإلى عقم الصيحات البريئة، أو الساذجة التي تعالت في أوساط المعارضة، داعية إلى حماية السوريين من بطش آلته العسكرية.
وعلى الرغم من تأكيد الأسد نفسه على هذا المعنى، حين حذر مبكراً من أنه يقف عند حافة ما وصفه بالفالق الزلزالي، فإن المعارضة واصلت، لخمس سنوات عجاف، تعلقها بأهداب المجتمع الدولي، وها هي تحار أمام إكراهات الذهاب إلى مفاوضات صممتها موسكو، بمباركة واشنطن، وربما تل أبيب، لكي يتفاوض فيها ممثلو النظام السوري (الإيراني؟)، مع ظلاله، ويخرجوا في ختامها، قائلين ما قاله الإسرائيليون بعد إبرام اتفاقيات أوسلو “لقد فاوضنا أنفسنا وحصلنا على كل ما نريد”.