غمدان الزعيتري (اليمن)

بعد مرور مائة عام على اتفاقية سايكس بيكو الشهيرة وتقسيم تركة الامبراطورية العثمانية، وتسارع الأحداث التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط يوما بعد يوم، أصبح جلياً أن الخريطة التي نستخدمها اليوم لم تعد صحيحة في رسمها الحدود بين أقطار الشرق الأوسط.


لم يعد العراق ذلك البلد الممتد من بين ضفتي نهر الفرات، بل ينقسم إلى ثلاث دول، دولة كردية خالصة في الشمال والدولة الإسلامية في العراق والشام، أو كما هو معروف باسم داعش منتشرة في الغرب، ودولة ذات صبغة إيرانية تعتمد على المذهب شرطاً للعيش فيها، ومعها مجموعات سنية متناثرة في الوسط والغرب العراقي.
أما سورية، فمن الواضح أنها تقسّم ويهجر أهلها بشكل مستمر، فدولة داعش تسيطر على مناطق شرقية كثيرة، والأكراد في الشمال والشرق، بينما الجيش الحر يتوزع في مناطق عدة، ولايحتفظ الأسد إلا بالعاصمة دمشق، ولم يعد يسيطر إلا على نسبة قليلة من الأراضي السورية.
الأحداث كذلك تمر على اليمن، وتقسميه صار مسألة وقت، فالحوثيون يسيطيرون على العاصمة صنعاء ومناطق الشمال، ولهم حضور في مناطق الوسط إلى حدود تعز، وهناك دولة ونظام آخر موجود في الجنوب والشرق، وخصوصاً في حضرموت، يتصدره أنصار الشريعة والقاعدة، وتسيطر الحكومة الشرعية على أجزاء من الجنوب والوسط.
وليس فقط هذه الدول من تشهد حالات تشرذماً وتمزقاً، بل إن دولاً عربية تعيش حالة انفصام بين حكامها وشعوبها، ولعل منطقة الخليج ستشهد قريباً بداية لتقسيم جديد ستفرضه الأحداث المتتالية في العراق وسورية واليمن.
ومما يخدم المشروع الجديد، أو لنقل لاتفاقية “سايس بيكو” جديدة لتقسيم المنطقة، ارتفاع حالة التوتر وقطع العلاقات بين السعودية وإيران، والذي يبدو أنه سيدخل مرحلة جديدة، تكون فيه الأرض السعودية والإيرانية ملعباً جديداً لصراع القوى الإقليمية والدولية، ولم تعد دول، كالعراق أو سورية أو اليمن، كافية لإبراز النفوذ على منطقة الشرق الأوسط.
لا ننسى أن المستفيد من هذا التقسيم الجديد والقادم هي إسرائيل، فلديها الحظوظ في التهام مزيد من الأراضي في سورية والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية مع غياب تام لأي تحرك عربي، أو دولي، لوقف هذا التمدد. ولعل العراق دخل في الاهتمام الاسرائيلي عن طريق بوابة كردستان العراق، ولو على المستوى التجاري والاقتصادي، فنسبة 75 % من صادرات النفظ إلى إسرائيل تأتي من نفط كردستان العراق.
نحن نشهد فترة جديدة من تقسيم المقسم لعدد من الدول العربية، والتي عاشت عقوداً دولاً تتنوع فيها العرقيات والطوائف، لكن نظم الحكم الشمولية فجرت ثورات الربيع العربي، لتسارع النظم الديكتاتورية على إيقاد الفتن بين العرقيات والطوائف، وتحاول لملمة انتفاضة الأجيال الجديدة، وأخذت الدول الإقليمية والدولية الفرصة، للتدخل في المنطقة، من أجل الحصول على مقعد في اتفاقية “سايس بيكو” الجديدة.