نشر فى : الأربعاء 27 يناير 2016 - 10:10 م | آخر تحديث : الأربعاء 27 يناير 2016 - 10:10 م

فاجأتنى جدتى حين ظهرت أمامى فى محل يبيع الصابون البلدى فى بيروت، رأيتها تجلس على الكرسى وراء ماكينة الخياطة، أمام الشباك فى بيتها حيث النور أفضل، تخيط لى فستانا أبيض بأكمام قصيرة، تدوس بقدمها على قاعدة ماكينة الخياطة بحركة متواصلة إلى فوق وتحت، فتتحرك الإبرة فى خط متواصل من الخيط عبر القماش. هنا يظهر الكم، هنا يظهر طرف الفستان. أقيسه وتضع جدتى فيه الدبابيس عند الكتف حتى تضيقه قليلا. يشكنى الدبوس فأصرخ، وتفرك لى كتفى ليخف الوجع. ماكينة الخياطة سوداء وعليها كتابات باللون الأصفر، ماركتها سينجر، مركبة على طاولة خشبية مستطيلة ونحيلة يوجد فى أسفلها دواسة للضغط بالقدم تحرك بها جدتى الماكينة.


تعود جدتى فى خاطرى إلى الحياة مع رائحة الغار والبخور التى تفوح من المحل فى بيروت. أمشى داخله وكأننى مخدرة فألحق الرائحة حتى أصل إلى سلة فيها مكعبات صابون كتلك التى كانت تستخدمها جدتى للاستحمام. أذكر كم كنت أكره رائحة صابون الغار البلدى أو الحلبى، كما يسميه الكثيرون نسبة إلى مدينة حلب التى اشتهرت بصناعة هذا النوع من الصابون الطبيعى المستخرج من زيت الزيتون وورق الغار، وهى صناعة لم تتغير كثيرا عبر التاريخ فى مدينة يقال إنها تنتج الصابون منذ ألفى عام قبل الميلاد. كنت أستغرب لماذا تصر جدتى أن تدعكنى بصابونة لا رائحة لها، أو لا رائحة عطرة فواحة لها على الأصح. «تيتة ما بحب الريحة» كنت أقول عند كل حمام. «ليش ما منستعمل شامبو متل كل الناس؟» كانت جدتى تشرح لى ساعتها فوائد مكونات الصابونة الطبيعية للبشرة، ولم أكن أهتم.
عرفت بعد ذلك أن لتلك الصابونة استخدامات كثيرة، فعدا عن الاستحمام بها، يستخدم الصابون البلدى المبشور فى تنظيف السجاد اليدوى بطريقة تحافظ على الخيوط والألوان، نظرا لعدم احتواء هذا الصابون على مواد اصطناعية. كما أنه كثيرا ما تدس سيدة الدار قطعا من هذا الصابون فى أدراج وخزائن الثياب، على الأغلب تكون من النوع الذى مزجت به عند صناعته مادة معطرة كالمسك أو الورد برائحتهما المميزة، فتدغدغ هذه الروائح الأنف فى كل مرة نفتح فيها درجا أو باب خزانة لنسحب قطعة ثياب. يتفنن الحلبيون خصوصا فى تصنيع صابون الغار المعطر، فيعجنونها بماء الورد أو المسك أو العنبر ويعملون منها كعكات مستديرة يستعملونها لتعطير الجسم والشعر وترطيبه أو تدس بين الثياب كما كانت جدتى تفعل وتبعتها أمى فى ذلك.
***
اليوم تتغنى بعض محلات مستحضرات التجميل العالمية باحتواء منتجاتها على خلاصة زيت الزيتون وورق الغار، وتظهر فى المجلات دعايات لصابون خاص للوجه يعيد له نقاءه بفضل عدم احتوائه على مواد كيميائية وبسبب تركيز زيت الزيتون فيه. «دون رائحة» يقول الملصق على الصابونة، أين أنت يا جدتى حين كنت تردين على سؤالى بقولك «فى أحلى من ريحة الغار والزيتون؟ لما تطلعى من الحمام حطى شوية ماء ورد على قطنة وادهنى فيها وجهك وشوفى كيف بتصيرى تلمعى». كنت أرفع عينى إلى فوق فى إشارة إلى عدم الرضا لكن لم أكن أرد فجدتى كبيرة ولن تغير أفكارها.
أقف فى القسم الذى يبيع الصابون فى المحل الأنيق، أتنشق هواء المكان فأشم البخور والزيتون وتلك الرائحة المسكية المميزة، يطل وجه جدتى الصافى من وراء قماش أبيض شفاف فى أطرافه دانتيل، تبتسم وأنا أقرب صابونة من أنفى وأستنشق. أشعر بحضن تيتة الدافئ حين كنت أنام معها فى سريرها وأطلب منها أن تحكى لى قصة سفر برلك، تلك الحملة العثمانية الفاشلة لتحرير قناة السويس من البريطانيين عام 1915 والتى راح ضحيتها أكثر من 1000 شاب وأرسل على إثرها آلاف الآخرين للقتال فى أوروبا بالنيابة عن الدولة العثمانية.
تختلط قصة جدتى بقصص رحيل الشباب والوجع السورى اليوم، وأعود طفلة بعمر أولادى فأسألها عن الحرب كما يسألنى ولدى. أخرج من المحل حاملة الصابون، أشعر أننى سأفتح علبة الذكريات كل مرة أفتح فيها خزانتى بعد أن أضع الصابون فيها. سوف أسأل جدتى عن تفاصيل الحرب وصفارات الإنذار، عن ضيق الموارد وتقنين الطعام، سأسألها عن صوت الطائرات الحربية وعن قلوب الأمهات حين يفقدن أولادهن. لن أعرف كيف أحكى لها عن مأساتنا اليوم، لن أعرف ما أقول لها عن الدمار الذى حل بسوريا والموت الذى خيم على شبابها. لن يكون عندى أجوبة شافية عن تحول الأطفال إلى أشلاء وعن حكايات لم نسمع عنها حتى فى القصص المرعبة التى كانوا يحكونها لنا أحيانا عن الغول الذى داس على مدينة بأكملها فحولها إلى فتات.
***
يعود أناس نحبهم إلى الحياة أحيانا مع رائحة معينة تستحضر موقفا محفورا فى باطننا، نسترجع أفراحا أو أحزانا مع نغمات تنقلنا إلى هناك، نتمسك ببعض من أنفسنا حين نلعب مع الذاكرة فنكتب عن صابون الغار أو عن رائحة جوزة الطيب فى السوق. هى صور نمطية عن حياة عشنا أغلبها وقطعا لعب الخيال والحنين دورا فى تشكيل جزء منها. التمسك بهذه التفاصيل ليس تقليلا من فظاعة ما يحدث فى سوريا على حساب التركيز على أمور حياتية مضت، فلا شىء يمكن أن يفصلنا عن بشاعة الموت ووحشية الاعتقال. التمسك بالتفاصيل يعيد بعض ما مات إلى الحياة، ففى مكان ما فى داخلنا توجد مساحة صغيرة خاصة وحميمة نحاول أن نحافظ عليها بإبقائها بعيدة عن عملنا اليومى، عن انخراطنا بالسياسة وبالشأن الإنسانى، هناك مساحة صغيرة جدا تريد لرائحة صابون الغار أن تطغى على رائحة البارود، ولصوت ماكينة الخياطة أن تغطى على دوى الانفجارات. فى هذه المساحة أشعر أن جدتى ما زالت حية، وأنها تلبسنى الفستان الأبيض يوم العيد، بعد أن تكون قد حممتنى بصابونة حلبية مربعة انبرت زواياها من الاستعمال.

كاتبة سورية