كتبت هذه المقالة، من وحي مشاهدتي لفيلم مجتمع الشعراء الموتى (Dead poets society)، الفيلم يدور في مدرسة داخلية راقية “أكاديمية ويلتون” يُعيَّن فيها أستاذ للّغة الإنجليزية، وهنا تبدأ رحلته بتغيير حياة طلاّبه، فكلّ واحد منهم لديه من الضّغوط النّفسية ما قد يُهلكه، هذه كانت مهمة الأستاذ الذي جعلهم يُفكّرون خارج السرب بطريقة غير تقليدية وجديدة تمامًا.

لتكوين الفرد وبنائه وجعله فعّالًا في المجتمع لا عالةً بسلوكه وعمله، نحتاج إلى ركائز داعمة ومتينة تتمثّل في أهمّ مؤسستين في حياة الفرد وتطويره من بدايته كفكرة مولود إلى سؤال “ماذا سيكون؟”، المؤسسة الأولى أو اللّبنة الأساسيّة هي الأسرة بما تشمله من أفكار ومشاعر تساهم في بثّ حياة لائقة للفرد السّليم النّاضج الواعي في مجتمع يحتاج الصّالحين لردم خرابه. والمؤسسة الثانية هي المدرسة المُكمّل للأسرة وشريكها في نهضة الفرد. ومن ثمّ تأتي العوامل المؤثّرة والآثار الجانبية في اكتمال تكوينه.

عندما تطرح الأسرة، في البداية، موضوع الإنجاب تحتاج لوضع هدف محدّد، تسعى له وتشقى من أجل هذه البذرة التي ستسقيها بكلّ ما أوتيت من قوّة وجهد، تحتاج الأسرة لسبب أكبر من سبب الإنجاب: فهل الإنجاب كفكرة طبيعيّة وكواجب أمام المجتمع؟ أو من أجل أن تنفي عن نفسها علة أو لتكن مثل الناس فقط؟ فمهمة الولادة نفسها تحتاج للكثير من المشاعر والحبّ وحسّ المسؤولية والثّقل الذي سيقع على الفرد ذكرًا كان أم أنثى.

الولادة تعني أنّك تحتاج أن تتخلّى عن جزء من ذاتك لتلد جزءًا آخر من ذاتك تُنشئه بشكل أفضل وأكثر اختلافًا عن شخصيّتك، فبيَدِك حياة وهبها الله لك لتُترجِم خبراتك وتجاربك ومشاعرك بصورة أفضل عمّا حصل معك في الماضي. وأذكر فلسفة “نيتشه” عن منابت الأطفال، هذا العالم لا يحتاج للمزيد من العاهات النّفسية والعلل الجينيّة التي سيورثها الطّفل عن أبيه أو أمه. لذلك فمهمّتك في هذا العالم أكبر ممّا تتخيّل وأكثر من كونك أصبحت والدًا أو أنكِ تشعرين بالأمومة فقط.

سوف تُنقذ العالم بإصلاح منبتك عندما تختار أن تلد وتجلب فردًا آخر لهذا العالم يزاحمنا في درء قذارته! إذن فالمرحلة الثّانية هي أن تَهب حياتك لأجل أطفالك ولا تشعر بأدنى ندم على ذلك، وأن تحبّهم ذلك الحبّ الذي يختلف عن حبّ جارك لأولاده، حبًّا متفرّدًا، حبًّا متعقّلًا جياشًا أحيانًا، يكبر بداخلك معهم وأنت تنظر لهم يكبرون.

إذا أردنا أن ننظر لحال أي مجتمع فسيتركّز نظرنا على الأسرة ومدى حبّها لأبنائها وحسن تعاملها معهم، حقّك عليهم لا يعني أن توفّر لهم المأكل أو الملبس فقط، فليست الاحتياجات المادية السبيل الأوحد لتسويتهم. إنّ العمليّة التّربوية عمليّة معقّدة للغاية ومُرهِقة ولا يُستخفّ بها فهي المبتغى الأكبر نحو تكوين مجتمع صالح!

التّربية أوّلًا وأخيرًا، تعني الاحترام والثّقة والصّدق وحبّ الخير، إذ بمجرّد زرع هذه القيّم النبيلة بداخلهم، ستتشكّل أمامهم القدوة الحسنة وتكون بذلك كفرد قد أنجزت جزءًا مُهِمًّا من وظيفتك المجتمعيّة.

المؤسّسة الثّانية التي يقع على كاهلها صقل أفكار وكمال أخلاق الطفل، هي التي تلقّنه مبادئ الحرّية والمسؤولية والقيادة مع التّوجيه والإرشاد، وهي ما يفتقده مجتمعنا. فما يُسمّى “مدارس” لا تختلف كثيرًا عن “السّجون” أو “المصحّات النّفسية الرّديئة”. فالمدرسة، بهذا المفهوم، تعني أن ينضمّ الطّفل الطالب للقطيع، أن يحدّ فكره وخياله ويكتم الصّوت الحرّ في داخله، أن يتقيّد أكثر، أن يحطّم كل مساحة خيال أو إبداع أو تلقائيّة أو عفويّة يمتلكها. بمعنى آخر، أن يخضع لما يريده المجتمع لا لرغبته هو في أن يصير ما يريد، أن يمشي وفق خط رُسم سلفًا دون أن يحيد عنه.

كل هذه الأمراض تنتقل لذات الطّفل بمجرّد الدخول لهذا العالم، الذي من المفترض أن يطلقه ويرفع سقف طموحاته. أحاول التّحدث عن العملية التّربوية التي تجري في مدارسنا وكوارثها على الطلاب، لأنّ المنهج من الممكن تعديله بتعديل الأُطر العاملة في مجال التعليم، بالدورات العلميّة وتحديث المعارف والمفاهيم المستجدّة في الميدان، فليس من المعقول، أن نشحن عقول الأطفال بالخرافات البعيدة عن الحقائق العلميّة أو الاعتماد على مبدأ التّلقين في التدريس وإهمال باقي الكفايات التواصلية التي سيحتاجها الطفل في حياته مستقبلًا!

أسلوب التدريس حاليًا لم يعد محوره المدرّس كمالك وحيد للمعرفة، والطالب كمتلقّ لهذه المعرفة في علاقة عمودية يتحكّم فيها المدرّس، كسلطة داخل الفصل مهمتها فرض النّظام وضبط السّلوكات التي يراها غير مقبولة، مستعينًا بأساليب لا تقرب للتربية: تعتمد على الإهانة اللّفظية (سبّ، تجريح، لمز وغمز…) وقد تصل إلى الضّرب الجسدي وما يخلّفه من آثار نفسية تنعكس سلبًا على سلوك ومردود المتعلّم. وما هذا بتدريس للأسف الشّديد.

إنّ أهمّ ما في العمليّة التّربوية هو الذّوقيات وأقصد به، الاحترام وتكريس مفهوم التواصل والكلمة الطيّبة للطّفل الذي يأتي مكبًا على وجهه إلى المدرسة، في المراحل الابتدائية لا يعرف النّظام والاصطفاف وكلّ تصوّره عن المدرسة، أنها فضاء للّعب مع الأقران الجدد وبمساحة أكبر من بيتهم. هنا إذن، يأتي دور المرّبي الحقيقي لإدماج هذا الطفل رويدًا رويدًا، في النظام بطريقة سليمة وسلسة تُحبّب إليه المدرسة كفضاء للتعليم والتعلّم. من تمّ تأتي المرحلة الإعدادية والثانوية التي يكون الطالب فيها بأشد الحاجة إلى مُلهم وقدوة إلى مُعلّم بما تحمله الكلمة من معنى، إلى أب ومرشد له، لا إلى من يتعالى أو كائن أضعف منه يفرغ به طاقة الغضب التي بداخله!

تخيّلوا إذن نفسيّة هذا الطالب وهو الذي ينتظر السّلوك القويم ليكتسبه، بهذا الأسلوب نحن نقضي على أي شغف محتمل للطالب في أي مادّة علميّة كانت أو أدبيّة، نقضي على تقبّلهم وحبّهم للمعرفة أكثر والاهتمام بالعلم، وبعد ذلك نطلب من شبابنا المساهمة في تقدّم ونهضة الوطن ولم نوفّر لهم أيّة مساحة كافية للإبداع والخلق.

قبل أن تلوم الطّالب على تصرفه، راجع أسلوبك وتصرّفاتك معهم، عندما تغدق عليهم الحبّ سيحترمونك بالتّأكيد، فالتّربية والتّعليم من أسمى المهن وأرقاها وعلى ممارسيها تقع المسؤولية العظيمة في الارتقاء والتهذيب.

لترى كيف يخرج جيل عنيف ومتشدد وجاهل وأعمى، اذهب إلى المدرسة وانظر كيف يبشّر هذا الجيل بالعبث والخراب، الرحمة في التّربية هي السبيل لنهضة مجتمعنا. إن كنت لا تعي مسؤوليّتك ومهمّتك التّربوية فلا تدخل إلى مجال التربية وتحمّل جيلا كاملًا من رجال الغد، ما لا طاقة لهم به!

تذكرت ما عانيته في ظلّ هذا النّظام التّعليمي من صعوبات خلال مساري الدّراسي، الذي كان بسبب غياب روح الجرأة في التّغيير والاعتراف بفشل المنهاج القائم في جوهره على التثبيط بدل التحفيز، على تقديس المعلومة والقبول بها كما هي بدل الحجاج وتبادل الأفكار، على تكريس الاستبداد (استبداد المدرّس الذي هو في الأصل نموذج مصغر للنظام السياسي) بدل الحرّية والانفتاح.

دعوتي لكل الآباء والأمهات ربّوا أطفالكم على الاحترام وثقافة الحوار وعلّموهم معنى الصّواب والخطأ بيُسر ولين، تحاوروا معهم حوار الصديق للصديق حتى تقوى شخصياتهم، لا تربوهم على الخوف، الذي يقتل الرغبة في الخلق والإبداع ويربّي الخنوغ والذل والهوان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست