ماذا كنا نفعل في حياتنا قبل ظهور “الفيس بوك” وباقي وسائل التواصل الاجتماعي الجديدة؟! كيف كنا نقضي يومنا الطويل ذاك؟!، كيف استطعنا أن نعيش كل هذه السنين الطويلة بدون هذا “الكوكب العجيب”!؟، وكيف لم نستطع اليوم أن نعيش للحظة واحدة في هذه الحياة من غيره!؟.

فعلا من الغريب جدا ألا نجد إجابة شافية ووافية لكل هذه الأسئلة، فحجم تأثيرها الهائل، والتغيير المهول الذي أحدثته في حياتنا أكبر من أن نعبر عنه أو نستوعبه حتى إلى غاية هذه اللحظة، إنها بمثابة “الميݣا ثورة”، و”الميݣا تغيير”، فتأثيرها أعمق و أكبر بكثير من أن نقيسه مع كل الثورات والتغيرات السالفة من الحياة البشرية.

قبل أن يخترع الإنسان الكتابة كانت كل الأشياء بالنسبة للمؤرخين غامضة ومبهمة وغير واضحة في الغالب، وبالتالي فقد كان اختراع الأخيرة بمثابة العلامة الفارقة التي غيرت وجه التاريخ البشري على امتداده، وقلبته رأسًا على عقب، فمنذ أن بدأ الإنسان بالكتابة والتدوين بدأت عملية التأريخ للحياة، وكان اختراع الكتابة في العام 3200 قبل الميلاد، بمثابة حادث فاصل في الدراسة العلمية للتاريخ البشري وفي علاقات الإنسان وتفاعلاته مع مختلف الأشياء في محيطه.

قبل ذلك كان الإنسان يعبر عن حاجاته في الغالب بالرموز التعبيرية والنقوش على الكهوف والرسوم وغيرها، ليحكي فيها عن قصصه، ويصور بها حياته اليومية، ويبوح أيضا بآرائه وأحاسيسه تجاه الآخرين، أو تجاه الطبيعة التي كانت حاضنته الأساسية، في ظل عدم وجود أي مظهر من مظاهر الحضارة والتمدن.

الثورة التي أحدثتها الكتابة في مسار التاريخ البشري، قد تكون  وجدت لها أخيرا ما يضاهيها من الأهمية والحيوية، بعد كل هذه القرون الطويلة التي تلت اختراع لم تستطع أي من الوسائل الأخرى أن تحدث الفارق الذي أحدثته ما يسمى “وسائل التواصل الاجتماعي” الراهنة، ونقصد بالضبط “الفيس بوك” “تويتر” “يوتيوب”… وغيرها.

فما قامت به هذه الأخيرة من طفرة هائلة في الحياة اليومية للإنسان بكل جزئياتها الدقيقة، وتفاصيلها الصغيرة ،  لم تستطع أي وسيلة ولا آلية أخرى، أن تقوم به على مر التاريخ منذ اختراع الكتابة، بل إن من المرجح جدا أن تكون وسائل التواصل هذه ذات تأثير أكبر وأعمق على التاريخ البشري من اختراع الكتابة نفسه.

هي ليست عالما افتراضيا كما يحبذ أن يطلق عليها في العادة، إنها عالم حقيقي،عالم داخل عالم، بل إنها عالم أوسع وأشمل من العالم الواقعي، فهي عالم المهمشين والمحتقرين، عالم المنبوذين والمضطهدين، هي الصوت المسموع لمن لا صوت له، والمنبر الأعلى المتاح للجميع, ليعبر فيه عن العالم الذي في داخله، إنها مملكة كل مشترك فيها والعالم الذي هو ملكه وقائده، وفيه  ينصب من يشاء، ويحكم بما يشاء ويقول فيه ما يشاء وكيف شاء.

عالم أصبحت فيه وسائل الضبط الفيزيقي للأصوات المزعجة مستحيلة إذا لم تكن ضربا من ضروب الخيال، عالم حيث يكون منع الصوت واحتكار المعلومة، وحجب الخبر والوقائع، ولى بلا عودة، بل إنه يكون أيضا ضربا من ضروب الجنون.

بالطبع هناك من السلبيات الكثيرة ما لا يعد ولا يحصى للوسائل الجديدة، والتي يبقى أكبرها ربما،هو انتهاء عصر ما يسمى ب”الحياة الشخصية” للأفراد، ما دام أن الوسائل الجديدة كشفت جل ما كان بالأمس خطا أحمر للغير، وما كان أيضا إلى الأمس القريب من التابوهات المحرمة كليا على الآخر الخوض فيها ولو حتى من باب التلميح، خاصة في المجتمعات المحافظة كما هو الشأن في الشرق. فما بالك  بالاطلاع عليها ومشاركتها مع العموم من كل أصقاع الأرض كما هي اليوم.

لقد قلبت كل هذه “المسلمات” لدرجة أصبحنا معه اليوم هذا الآخر (الغريب) من تلقاء نفسه وفي كامل وعيه وبكامل الحرية، نجده في سعي حثيث لمشاركة تلك الحياة وكل التفاصيل الصغيرة والكبيرة من حياته الشخصية تلك، مما يشكل تغيرا جذريا وانقلابا كليا في حدود وتعريفات معنى مفردة “شخصي” نفسها، التي ستفرض على علماء اللغة واللسانيات إعادة تحديد مرادفات ومعاني جديدة لهذه الكلمة علها تواكب الزلزال الجديد لهذه الأنماط الجديد في العلاقات الاجتماعية الإنسانية.

لكن مع ذلك بغض النظر عن هذه الجوانب السلبية السابقة الذكر، يبقى الوجه الأكثر إضاءة من هذه الوسائل الجديدة والذي يغطي على الكثير من تلك المساوئ، هو أن عهد احتكار وسائل الإعلام التقليدية والمملوكة في عادتها للدول والأنظمة، أو لكبريات المؤسسات الإعلامية التابعة لها، قد ولى أيضا، وأن زمن حجب المعلومة واحتكار تداولها وتزوير الحقائق وعرض الوجه الواحد فقط للأشياء.

وحتى مع الطرق والوسائل التي تسعى من خلالها الحكومات التي تحرص على إعطاء الصبغة القانونية و”شرعنة” وسائل الحجب تلك مثل حظر النشر وغيرها، فإن مع تسريبات وسائل التواصل الاجتماعي أصبح من المستحيل على الأنظمة ضبط أو منع ذلك.

صحيح أن هذه الوسائل متاحة أيضا للأنظمة لاستخدامها وتوظيفها ضد المعارضين، لكن على الأقل فإن ذلك يمنح سلاحا “لخلق التوازن والتكافؤ في القوى الدعائية مع الطرف الآخر، ويساهم بالتالي في كشف ولو جزء بسيط من الحقائق التي كانت في ما مضى محجوبة كليا عن المواطنين داخل البلد.

فالكثير من عمليات التنكيل والقمع والاضطهاد والتضليل التي كانت العديد من الأنظمة التسلطية تمارسها في حق مواطنيها، كان الفضل الكبير في فضحها وإيصالها إلى العالم الخارجي بفضل هذه الوسائل الجديدة، وبفضل ذلك غالبا ما يتم تشكيل رأي عام عالمي وليس فقط محلي ضدها، مما يوقع هذه الأنظمة في كثير من الأحيان في حرج كبير ويكشف حقيقتها  مع الخارج، ومع المنظمات المهتمة بحقوق الإنسان على الخصوص.

فتكون بذلك تلك الوسائل الأنجع لفضح تلك الانتهاكات وإيصال الحقائق ومعها صوت الرأي الآخر إلى كل العالم.

فبفضل الوسائل الجديدة أصبح متاحا للمواطن العربي لأول مرة في تاريخه ربما، أن يراقب عن كثب وبكل التفاصيل، كل صغيرة وكبيرة على من يحكمه، حيث أصبح المسؤول العربي يحسب للكلمة ولأي خطوة يريد القيام بها ألف حساب وحساب قبل القيام بذلك، وهذا ما يوضح القوة الردعية الفعالة جدا لهذه الوسائل في مواجهة الشطط السلطوي الذي كان يشكل السمة البارزة التي تجمع الأنظمة في المنطقة العربية.

ومادام المواطن يملك هو الآخر “سلطة الفضح” في وجه نظامه الحريص على صورته الخارجية أكثر من أي شيء آخر، فان ذاك النظام سيخفف من “سلطة الضبط” التي كانت سائدة من قبل، والتي كانت من بين الأسباب الرئيسية لاندلاع الثورات في المنطقة، وهو ما يعني معه نهاية عصر التسلط السياسي بمعناه التقليدي الكلاسيكي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست