منذ 1 دقيقة، 28 يناير,2016

منذ عام تقريبًا بدأ العمل بجدية في اتفاق أمريكي إيراني لضمان مراقبة النشاط النووي مقابل رفع العقوبات عن إيران. منذ ذلك الحين بل وقبلها كانت إسرائيل ودول الخليج – وعلى رأسها السعودية – تضغط على الإدارة الأمريكية لوقف وعرقلة ذلك الاتفاق بلا جدوى. في أواخر العام المنصرم أعلن الرئيس باراك أوباما إتمام اتفاق مع إيران ستحدّ بموجبه إيران من نشاطها النووي وتسمح بدخول مراقبين بصفة مستمرة مقابل رفع العقوبات عنها تدريجيًّا لمدة قد تصل إلى 10 سنوات، طمأنت أمريكا المملكة العربية السعودية وسمحت بإتمام صفقة سلاح كبرى بقيمة 1.29 مليار دولار في نفس العام لتشتريها المملكة منها لطمأنتها [1].

في نفس العام السابق بدأت أسعار النفط بالهبوط الحاد، ومع دخول السعودية الحرب في اليمن، كانت التأثيرات الاقتصادية عليها من القوة بحيث أن مراقبين يتوقعون نفاذ الاحتياطي النقدي للمملكة خلال 5 سنوات فقط [2]، إن لم يكن أقل في حال انخفضت أسعار النفط تحت سعر 30 دولارًا للبرميل. ومع إعدام نمر النمر زاد توتر المنطقة أكثر مما كان وبدا أن الحرب الباردة الطويلة بين السعودية وإيران قد ازادت سخونة أكثر من أي وقت مضى.

ومع الاستنزاف الاقتصادي للمملكة في اليمن وسوريا وفي دعم نظام السيسي في مصر وصفقات السلاح المحمومة الضخمة مؤخرًا، يبدو واضحًا أن إيران تسير عكس ذلك الاتجاه؛ فمنذ أيام معدودة أقر الاتحاد الأوروبي بالتزام إيران ببنود الاتفاق النووي وبات بدء رفع العقوبات وشيكًا خلال هذا الشهر [3]. وبالرغم من نفقات إيران الضخمة في سوريا من تمويل عسكري ومالي، إلا أن الخطوة الأولى من رفع العقوبات عنها هذا الشهر ستكون بمثابة انفراجة كبيرة في اقتصادها الذي يعاني من تدهور سعر العملة الكبير في السنوات الأخيرة. فإيران التي ترزح تحت عقوبات دولية تنتج حاليًا حوالي 3 ملايين برميل يوميًا مع العديد من القيود [4]، إلا انها ستكون قادرة بعد هذا الشهر من إنتاج ما تريده، حتى قال مسؤولون إيرانيون منذ أيام أنهم يهدفون إلى زيادة مليون برميل يوميًا في الإنتاج بنهاية هذا العام. ورغم أن الرقم يبدو كبيرًا؛ إلا أن إيران تطمح على الأقل أن تزيد حصتها العالمية بدرجة كبيرة. حينها سيتسارع الانخفاض في السعر العالمي وستكون ضربة اقتصادية موجعة للمملكة وحلفائها الذين يعتمدون على التمويل السعودي.

وقد يبدو واضحًا التغير النوعي في الخطاب السياسي الأمريكي تجاه المملكة السعودية في حادثة إعدام الشيخ النمر، فالنقد العلني للسعودية من الساسة الأمريكيين بالإضافة إلي إصدار أكبر ثلاثة صحف أمريكية في نفس اليوم تقارير عن ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان (الملك القادم المحتمل) تصفه بأنه ساذج متهور، متزامنًا مع السير قدمًا في تنفيذ الاتفاق الإيراني الأمريكي ينذر بتغيير ما في الرؤية الأمريكية لأهمية السعودية الاستراتيجية.
ويبدو أن الفائز من كل هذا هي الولايات المتحدة، فبالاتفاقية الإيرانية الأمريكية الأخيرة، تم إضعاف دور روسيا الاستراتيجي لإيران، فإيران الآن التي تسعى لنيل رضا الأمريكيين برفع المزيد من العقوبات ودخول مرحلة الانتعاش الاقتصادي، يعني حاجة أقل للحليف الروسي. أيضًا سيتمكن الأمريكيون من إبقاء المنطقة في حالة ساخنة لمدة أطول مع قلق دول الخليج المتزايد من نفوذ إيران الآخذ في التنامي، مما يعني المزيد من صفقات السلاح الأمريكي ذات التسعة أصفار. بالإضافة إلى أن روسيا التي تعتبر من أكبر مصدّري البترول حاليًا وأكثر من تأثر اقتصاديًا بانخفاض أسعار النفط؛ فسيؤدي مزيدًا من انخفاض الأسعار بما ستنتجه إيران إلى المزيد من الاختناق الاقتصادي لروسيا المختنق أصلا بالهبوط الحاد في سعر عملتها منذ الأزمة الأوكرانية والعقوبات المفروضة عليها من الولايات المتحدة، هذا بالإضافة لما انزلقت فيه روسيا من التدخل العسكري المباشر في سوريا والذي زاد من حالة التدهور الاقتصادي.

ومن الصعب رؤية خطوة استراتيجية واضحة من المملكة السعودية لمجابهة تلك المخاطر المحدقة، ولكن يبدو أن منتصف العام الحالي سيكون نقطة استطلاع واضحة لما ستؤول إليه الأمور في اقتصاديات منطقة الخليج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست