من الطبيعي في كل مكان وفي كل زمان أن توجد قوى تحاول التعبير عن جزء أو مرحلة من تاريخ ومخيال التجمع البشري الذي تنتسب إليه, ومن الحتميات التي لا يمكن تجاهلها أن هذه القوى ستحمل في تركيبتها نزرًا ليس باليسير من أزمات واقع مجتمعها، وهذه القاعدة تشمل كل المجتمعات الإنسانية وتشمل كافة القوى الاجتماعية والسياسية ولو بنسب متفاوتة.

والتيارات الإسلامية في العالم العربي كتكتلات (جماعات) وكأفراد (أعضاء) لا يمكن أن يخرج عن هذه القاعدة الأصيلة ولو أنه تمثل أو ادَّعى تمثل ذاك المقدس المطلق (الدين) بكل مرتكزاته العقدية فهو تعبير عن مرحلة من تاريخ/ مخيال العرب وهو تجلٍّ عن واقع/ سلوك المجتمعات العربية, فهو كتيار يعاني كما مجتمعه وتاريخه من مشكلات عميقة يعكسها، كان كذلك وسيبقى كذلك, كما كان الشيوعيون والقوميون والليبراليون يومًا كذلك وسيبقون كذلك أمد الدهر لأن أي تنظيم أو مجموعة فرعية هي (عينة) تحمل صفات ذاك المجموع العام (الجسم).

لكن الإسلاميين وتيارهم بشتى تكتلاته وقعوا في أخطاء كان من المفترض أن لا يغوصوا فيها – لم أقل لا يقعون فيها – كباقي التيارات الفكرية الأخرى (القوميون والشيوعيون والليبراليون) لعدة أسباب فرعية ترتبط بثقل التاريخ وصيرورة الواقع مشتقة من سبب أصيل هو إسلاميتهم التي أكسبتهم اختلافًا إيجابيًا عن باقي التيارات الأخرى – حسب زعمهم – ومن هذه الأسباب: 1-طول التجربة فهم عندما ينسبون أنفسهم للإسلام الذي مورس ويمارس لمدة تزيد عن ألف وأربعمائة عام في كل البيئات وتحت كل الظروف, فمن الواجب أن يستدعوا كمًّا من المواقف والعبر والتجارب التي تغنيهم عن تكرار محاولات محكوم عليها بالفشل.

2-بالإضافة إلى أن الإسلاميين لديهم رصيد من الأفكار والأطروحات الممتدة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار, من النصية للفلسفية, من الثورية للمحافظة التي تشكل معينًا يصلح لتكوين أقوى الأنساق والرؤى الأيديولوجية, وهي في خدمتهم متى شاؤوا.

3-بالإضافة للرصيد الشعبي والقاعدة الجماهيرية العريضة، فهم تيار ولد ضمن بيئة تحمل عقيدتهم وتدافع عنها وتتغنى بها.

لكنهم للأسف لم يستفيدوا من ذلك حق الاستفادة، وقصروا في توظيف تلك العوامل الثلاثة التي ذكرناها، وتكاثرت بينهم أمراض لم يعالجوها بحكمة، فكان بينهم العمل السري ورفض الآخر والتخطيط للانقلابات، وضعف الحوار والتجهيز العسكري، والتمسك بالنص وتبني الشعارات المهولة، والعمل الواسع المتشظي وقلة المراجعة، وندرة التجديد والاعتماد على يد الغيب، وضعف التخطيط وإهمال المعرفة، والتركيز على التنشئة الأيديولوجية بدلًا من التنشئة العلمية، واستعجال النتائج وغياب البرامج، والبعد عن التحالفات والتركيز على الصدام…

فكانت تجاربهم عبارة عن انتكاسات وهزائم لو مني بها تيار آخر لكانت نهايته. لكن العامل الثالث (وجودهم ضمن مجتمع يحمل ذات معتقدهم) كان منقذًا لهم وسيبقى كذلك، إلا إن حدث تغير شامل في معتقد الجموع العربية.

لكنني أعتقد أن كل العوامل التي تحدثنا عنها لا يمكن أن تحول كل هذا الفشل إلى نجاح، وكل هذه الانتكاسات إلى انتصارات، فالإسلاميون العرب بحاجة لمراجعة لأفكارهم وبحاجة لإعادة رسم أنساقهم وتغيير سياساتهم، ويجب أن يستفيدوا من تجربة أشقائهم الأتراك في حزب العدالة والتنمية ويعيدوا مراجعة ما قدمه العقلانيون المسلمون (المعتزلة والفلاسفة)، وتعلم النقد الصريح منه، ويجب إيلاء اهتمام أكبر بالاقتصاد والعمل الاجتماعي الخيري في برامجهم، مع اتخاذ موقف مفصلي من العمل السري والعسكري باستبدال العمل السياسي العلني المرخص به، لعل ذلك يسهم في تحسين أدائهم الذي ستستفيد منه أمتهم، ولعله يحول كم الطاقات التي لديهم نحو النفع الإيجابي الفعال بدلًا من أن تضيع بلا أي فائدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست