لا أظن أن أحدًا من العقلاء المتابعين لتفاصيل ما تمر به جماعة الإخوان المسلمين الآن يمكن أن يصبح من  الحالمين المفارقين للواقع عن إدراك حجم الخلاف الرأسي الحالي في كل مستويات الجماعة المتصل حتى القواعد بهذا الحجم والطريقة لأول مرة بين صفوفها، أو أن يتخيل أن مشكلة الجماعة منحصرة في تعديل لائحة، تعديلها يمكن أن يحل  معضلة وضع الجماعة الداخلي الحالي أو يعدل مسارتها الخارجية أو يصحح طريقة تعاملها مع الواقع بصورة صحيحة أو يصحح ما لحق بفكرها من تشوهات في أفكارها تحتاج إلى تجديد، فحدوث تلك التصحيحات يتجاوز فكرة لائحة إلى خطوات حقيقية يقوم فيها الإخوان في مناخ تعاوني تكاملي لا تنافسي انقسامي بتحديد مشاكلهم السابقة والحالية بشكل صحيح وسليم  من حيث حجمها ونوعها على مستوى الفكر والتنظيم والأفراد والموارد، ويصاحب هذا التجديد آلية لكيفية التعامل الجيد وعلاج موانع الحل المعيقة من الأشخاص والنظم الداخلية وشبكة المصالح المؤثرة والتغييب المتعمد لبعض المعلومات، ثم يعقب كل هذا الانطلاق في مرحلة الحل والإصلاح وربط كل هذا بواقع جديد تعيشه الجماعة في ظل وضع داخلي وإقليمي عالمي جديد متغير.

وبما أن الشق الكبير بين الفريقين في الخلاف الحالي متمسك بموقفه ولا يوجد المناخ الذي ينفذ ما سبق في ظل الاتهامات المتبادلة والتمسك بإجراءات إدارية مشكوك في صحته أو فاعليتها في العلاج واتجاه كل فريق للاستمرار فيما يقوم به لعدم وجود رغبة جدية في التقارب بينهما حتى الآن أو الاستجابة الفعلية لا الإعلامية للمبادرات المطروحة، بالإضافة لاستخدام أساليب التغييب للصف ودخول موارد المالية للجماعة في الخلاف والتأثير بالنفوذ والعلاقات الشخصية علي القرارات أو استمالة كيانات، فبالتالي غالبًا الإخوان لن تستطيع أن تصل للمعالجة الصحيحة لمشكلة انقسامها الحالية في  الجماعة مما ينعكس على تعثر إتمام عملية الإصلاح بالشكل المطلوب عبر الاحتكام للمؤسسات واللجان القائمة حاليًا.

ولكن على الرغم من كل ما سبق تظل خطوة تعديل اللائحة من أهم الخطوات التي يجيب على عموم الصف الإخوان والمهتمين بالحركة الإسلامية المشاركة فيها للوصول للتعديل الأصلح لها، وقد تتعجب بعد كل هذه المقدمة من الوصول إلى هذا الطلب.

جماعة الإخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية ذات وسطية في المنهج والذي أدى ما حدث لها ووصلت إليه في مصر للتأثير على باقي أجزاء الأمة بشكل مباشر وغير مباشر كان نتيجة بعض العوامل والأخطاء، ومن أهمها ما يتعلق بالشورى وأدواتها وآلية الإدارة داخل الجماعة التي تحكمه وتحدده اللائحة التنفيذية، وبالتالي من الغباء أن نتجاوز تحديد الخلل ووصف العلاج فيما تم تطبيقه وتوضيح  جوانب الخلل فيه وإصلاحه لتستفيد منه الجماعة أولاً  – أي فريق منهما جاد في الإصلاح –  في أية خطوة قادمة وكذلك لتستفيد منه باقي الحركات الإسلامية العاملة في الأمة حتى لا تكرر أخطاءها وتقع فيما وقعت فيه الجماعة.

مترافق مع هذا النفع العام نفع خاص عاجل يتعلق بجماعة الإخوان المسلمين للإسراع في الوصول إلى أول خطوات الطريق لتحقيق ما سبق من علاجات عميقة للمشاكل الأساسية الفكرية والتربوية والحركية ، الذي  يحتاج إلى جماعة بحجم الجماعة وتشعبها إلى تهيئة مناخ حاكم محدد بعيد عن هذا الخلاف وبعيد عن الأخطاء الإجرائية للأمور الشورية والتنفيذية التي أوصلتنا لما نحن فيه، إن كان هناك جدية لمعالجة ما نحن فيه، ولن يتحقق هذا إلا بتعديل اللائحة لتحقيق هذا الهدف المتعلق بالمناخ الداخلي  بمحددات واقعية.

فالدعوة لأن مقدمة من باب الواجب لا من باب الاستحباب لعموم المهتمين بالشأن الإسلامي من العلماء والدعاة والمتخصصين والأفراد والكيانات والمؤسسات لتشارك في تقييم الانعكاسات والتأثيرات الإيجابية والسلبية للائحة السابقة.   وبالتأكيد في مقدمتهم الإخوان أنفسهم الذين لمسوا قصورها ومميزاتها.

باستقراء مبدئي للمشكلات وللممارسات داخل الجماعة خلال العقود الماضية يمكن حصر قصور اللائحة في 4 محاور أولها طريقة الشورى ثانيها المشاركون في الشورى، ثالثـًا التخلص من شبكة المصالح والنفوذ المتكون بقصد أو بدون قصد التي يمكن أن تؤثر في القرارات وأخيرًا واقعية الأحكام الانتقالية في اللائحة لتكون اللائحة فعالة ليست حبرًا على ورق، في ظل استرشاد بمراجعة مقاصدية وإدارية وحركية إسلامية لهذه المحاور.

وهذا بعض التفصيل لهذه المحاور:

  • العامل الأول وأخطرهم القصور الحالي بالعملية الشورية والاقتصار على الشورى في صورتها النهائية اﻹجرائية وليست في صورتها المنهجية الكاملة وذلك عن طريق:
    • العمل على توسيع قاعدة المشاركة في الاختيار وحسم القرارات المصيرية.
    • إنشاء آلية واضحة ومحكمة للرقابة والمحاسبة من المجالس الشورية للجهات التنفيذية.
    • آلية وصول الاقتراحات والأفكار لمجلس الشورى ووجوب الرد عليها بشكل إلزامي.
    • عمل طريقة فعالة للتحقيق في الشكاوى والاستئناف على قرارات التحقيق بأكثر من مستوى.
    • منع تعيين من تم إبعادهم عن مناصبهم في الانتخابات باستخدام سلطات الجهة التنفيذية الأعلى.
    • وضع آلية واضحة لمن يتم تعينهم ولماذا.
    • تحديد دوائر الشورى وهل هي واحدة وكيفية تضييقها وتوسيعها بحسب القضايا المطروحة على طاولة التصويت في كل مستوى شورى.
    • كيفية الاستعانة بالمؤسسات المتخصصة المحترفة في التخصصات المختلفة لدعم اتخاذ القرار وليس لتوجيهه.
    • كيفية التأكد أن الشورى تتم في ظل “عدم” غياب المعلومة أو وجودها مبتسرة أو مشوهة أو عرض المعلومات بشكل موجه.
    • ضبط مسؤوليات الخارج ومستوياته التنظيمية وتحديد علاقته بالداخل.

 

  • العامل الثاني: مؤهلات ممارسي الشورى أنفسهم وطريقة اختيار التنفيذيين.
    • تحديد متطلبات كل منصب أو مسؤولية – داخلية أو خارجية – كمتطلبات مهام وظيفية وصفات شخصية لمن يتولى تلك المسؤولية والتأكد من توفرها في الشخص المرشح لهذه المسؤولية وأخيرًا التأكد من وضح كل تلك المعلومات أمام المجموعات المختصة بالاختيار الشورى.
    • العمل على عدم حصر مجالس الشورى في نوعيات معينة من الأفراد التنفيذيين والشرعيين والأطباء والمهندسين.
    • عملية دمج وإشراك الشباب بنسب كبيرة وليست بحضور رمزي في المجالس والهياكل المختلفة، وعدم جعل مؤهل  قدم السبق في الالتحاق بركاب الدعوة ودرجته التربوية والدعوية هو المرجح دائمًا لانضمام للمجالس الشورية والتنفيذية، بدون التأكد من ملائمة صفاته الشخصية ومتابعته للتطورات  وقدرته على استفتائه في أمور متشعبة في الجوانب الاقتصادية والسياسية .. إلخ.
    • كيفية إشراك المتخصصين والمفكرين والاستفادة منهم في المجالس والهياكل المختلفة.
    • تحديد عدد دوارت العضو المنتخب في أي منصب تنفيذي ورقابي وشوري وعمل آلية إلزامية لتكوين البدائل المجهزة بشكل كاف لكل المناصب داخل الجماعة.
    • كيفية إدارة الاستفادة من الأطروحات الفكرية للمفكرين من داخل الجماعة وخارجها وتطبيق الأفكار الإبداعية الفعالة.
    • وضع آلية لسحب الثقة وتصحيح الأخطاء التي قد تظهر نتيجة التجربة وتعامل الأشخاص.

 

  • العامل الثالث: تفكيك شبكة المصالح والنفوذ التي قد تنشأ لشخص من موقعة وقدرته على السيطرة والتوجيه
    • آلية الرقابة المالية بالجماعة والتأكد من عدم استغلالها أو الاستفادة منها بشكل شخصي.
    • طرق التعامل في أوقات الأزمات وتغييب جزء من الهياكل الإدارية والشورية في الجماعة.

 

  • العامل الرابع: المواد الانتقالية
    • يجب أن تكون هذه المواد الانتقالية تراعي الواقع الحالي للجماعة وفي الوقت نفسه لا تستغل هذا الواقع في تأجيل تحقيق ما سبق من إصلاحات وتطبيقها أو تعطيل تطبيقها بالمواد الانتقالية.

بالإضافة إلى ما سبق وبنظرة جزئية يأتي تعديل اللائحة اختبارًا حقيقيًا لأداء طرفي الأزمة بشكل عملي معروض على عموم الصف، والأسلوب الذي سيتخذه الطرفان التعامل مع  اللائحة وتصحيح أخطائها والاحتكام للصف ولعموم الأمة فهل سيوضح بحق من يخضع لهذا الصف ومن يتعالى عليه أو يغيبه.

في النهاية هذا النقاش البناء الذي يمكن لأن يتكون حول هذه اللائحة الإجرائية هو مرحلة من مراحل النضج المؤسسي في الحركات الإسلامية، وقد يكون مفتاحًا مبدئيًا لحل كارثة تواجهها كبرى الحركات الإسلامية وأكبر الفصائل المواجهة للانقلاب المجرم في مصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست