« إنّها تعكس فقط أهواء الحكّام وليس آراء الشعوب، وأنّها لا تستهدف سوى الحفاظ على أوضاع ما بعد الاستعمار؛ فحتّى القادة العرب لا يعبأون بها في الغالب».

“كريس دويل”، مدير مجلس التفاهم العربي البريطاني

لا يختلف عاقلان في أنّ مسار الأحداث “السرياليّة” ذات النهايات المأساويّة، بما يشبه التراجيديا الإغريقيّة، الجارية في الوطن العربي منذ نكبة فلسطين، قد راوغ مسار أهداف الجامعة العربيّة وأصابها في مقتل بمعيّة منظّماتها المتخصّصة وهياكلها الجوفاء ومجالسها الواهنة ولجانها العاجزة التي لا جدوى من ورائها. حيث أنّ أهمّ أعمالها تختزله بيانات الشجب والتنديد بجرائم إسرائيل في حقّ الفلسطينيين وقرارات ترحيل القضايا العربية الكبرى إلى المنتظم الأممي للنظر فيها. وهو الأمر الذي جعل من الجامعة هيكلا أجوفا، على مقاس أقزام السياسة الراهنين، جامدا، متكلّسا، يعيش عطالة مزمنة شبيهة بالقصور الذاتي في مفهومه الفيزيائي. بما يعني بالنتيجة أنّه ليس من المأمول أن يشارك العرب وجامعة “حكّامهم” لا “دولهم”، بفاعليّة في صنع مصيرهم وبناء مستقبلهم. أقول هذا ليس من باب التجنّي على الحكّام العرب وجامعتهم وهياكلها الضعيفة، ولكن وفق قراءة موضوعيّة للراهن العربي المأزوم ولغياب دور الجامعة العربية في الحدّ – على الأقلّ – من تعقيده وتأزيمه. وهو أضعف الإيمان كما جاء في ما عرف بحديث المنكر. لأنّ المفترض، إنّما هو أن تسعى الجامعة، كلاعب سياسي إقليمي إلى تحسين الوضع العربي، وفي الحدّ الأدنى المحافظة عليه، لا أن تنظر إليه بعين المتفرّج وهو يتدهور من سيّء إلى أسوأ منه، ولا تحرّك ساكنا.

لا بل وتشارك أحيانا في تدهوره وتأزيمه، وتتواطأ مع الأجنبي أحيانًا ومع دول عربيّة، هي اليوم نافذة ومؤثّرة في قرارات الجامعة، ضدّ دول عربيّة من أعضائها المؤسّسين/ الأصليين، كما حدث مع العراق وسوريا أو من أعضائها غير المؤسّسين/ ذوي العضوية بالانضمام، كما حدث مع ليبيا. وقد بات، وأصبح، وأضحى، وأمسى وسيظلّ، في قادم الأيّام واضحًا، لا بل وشديد الوضوح، أنّ هذه الدول مضافًا إليها اليمن والسودان، سائرة حتما وبخطى حثيثة إلى التقسيم والتجزئة والتشظّي والتشرذم. وهي اليوم في حالة مقاومة لمحاولة فرض ذلك من قبل قوى استكبار عالميّة معلومة. ويعاضدها في هذا المسعى بعض من تجّار الأوطان من الخونة العرب، حكّامًا ومعارضين ونخبًا مثقّفة من ذوي الأطماع الحقيرة، الذين يبيعون بأبخس الأثمان لا ضمائرهم المعطّلة وحسب، بل وذممهم الرخيصة ونفوسهم الدنيئة، إن بالمهجر في العلب الليلية وحانات الخيانة للذات والوطن، أو في أسواق النخاسة والدعارة السياسيّة الكثيرة المنتشرة هنا وهناك، في كافة أرجاء الوطن العربي، بمشرقه ومغربه، وسنّته وشيعته، وإسلامييه ودواعشه، ورجعييه وتقدّمييه وفقرائه وأغنيائه على حدّ السواء.

بما نتج عنه جدب الحياة السياسيّة العربيّة وعقمها وإفراغها من كلّ محتوى أو عمل إيجابي يعيد الأمل المفقود إلى الشعوب العربيّة المكلومة. لأنّ السياسة في جوهرها ليست سوى صناعة المستقبل وبثّ الأمل في الشعوب. وفي هذا المعنى يقول نابليون بونابرت: «لا نقود شعبا إلّا إذا أوضحنا له مستقبلا: الزعيم هو تاجر الأمل» On ne conduit un peuple qu’en lui montrant un avenir : un chef est un marchand d’espoir) . فالقائد يتعيّن عليه أن يتاجر بالأمل لا بالوهم، إلّا أنّه – وللأسف – ليس لنا، بهذا المعنى، أيّ من الحكّام العرب. فهم أنفسهم واهمون بائسون ويائسون، فكيف لهم أن يبثّوا شعاع الأمل؟ وهم غير قادرين على بعث الثقة وزرع الطمأنينة في نفوس شعوبهم للحدّ من تسرّب اليأس المدمّر إليها، أليس فاقد الشيء لا يعطيه؟!

وبالعودة إلى التاريخ القريب وأدبيات الفكر القومي العربي وخطابه، وإلى الطموحات الشعبيّة للأجيال التي ساهمت في تحرير بلدانها أو عايشت تلك المرحلة، نستشفّ، دون عناء، أنّ الشعوب العربيّة قد ظلّت منذ تأسيس جامعة الدول العربية في منتصف أربعينات القرن الخالي، كما الدول العربية منذ اسقلالها، الواحدة تلوى الأخرى خلال النصف الثاني من القرن العشرين، ظلّت يراودها بإلحاح – يصل حدّ الهوس – هاجس قيام الوحدة فيما بينها، كتجسيد سياسي لمفهوم القوميّة العربيّة بما هو معطى ومشترك جامع، تاريخًا ولغةً ومعتقدًا وفكرًا وثقافةً وسلوكًا، بين كل الدول العربيّة من الماء إلى الماء، رغم الاختلافات البسيطة التي تحدث بين الأشقّاء هنا وهناك بين الفينة والأخرى. وقد كان دور مصر عظيمًا في مجال تأصيل رغبة الوحدة في المخيال الجمعي العربي وتشكيل رأي عام عربي مهيّأ لقيام وحدة عربيّة شاملة تتمايز عن مجرّد التعاون والتنسيق بين الدول العربيّة بعضها بعضًا، أو حل النزاعات التي قد تنشأ فيما بينها، أو فيما بين أحداها وطرفٍ أجنبي.

وهو بالتأكيد، غير دورها المخاتل الآن، بل وتحديدا منذ عهد الرئيس السادات أحد مهندسي اتفاقيّة كامب ديفيد الكارثيّة العواقب على الوطن العربي برمّته. لذلك قال الشاعر الشعبي الثائر أحمد فؤاد نجم، واصفًا تراجع الدور المصري في عهد حسني مبارك: «مصر الآن في حجم مبارك وكانت زمان في حجم عبد النّاصر». وقد بات معلومًا ولا يجادل حوله أحد، أنّ لمصر عبد الناصر الفضل الأكبر في إذكاء هاجس وحلم الوحدة باعتبارها كانت وإيّاه رمزًا للقوميّة العربيّة، بما كان يمثّل حينذاك دافعًا للجامعة العربية بأنّ تساير موجة التوق إلى الوحدة القوميّة، الشعبيّة والرسميّة، ولا تسعى – في أسوأ الأحوال – إلى القيام بما ينافي ويتعارض صراحة مع المبادئ والأهداف التي قامت من أجلها ككيان إقليمي للعمل العربي المشترك. ولعلّنا عند استعراضنا لبعض تلك الأهداف ندرك جيّدا – ودون بذل أيّ جهد – الفرق الشاسع بين الواقع الراهن المأزوم للجامعة العربيّة وما هو منشود من بعثها. فقد جاء في ميثاقها ما ينصّ على أنّها: «تسعى إلى توثيق الصلات بين الدول العربية»، فيما أنّ المتابع للشأن العام يلحظ بكلّ يسر، أن الصلات والعلاقات بين الدول العربيّة تكاد تكون معدومة حاليًا وستستمرّ كذلك بالقطع في الأمد القريب.

بل إنّها تتميّز في الأغلب الأعمّ – فضلا عن البرود والجفاء – بخلافات ونزاعات ذات صلة برسم الحدود أو بالمذهبيّة والطائفية، أو من قبيل التنازع عن الريادة على مستوى منطقة جغرافيّة معيّنة إن في المشرق أو في المغرب. ونلمح فقط في هذا السياق إلى ما بين الجزائر والمغرب في قضيّة الصحراء الغربيّة، وما بين العراق والكويت في قضيّة الحقول النفطيّة المتنازع عليها، وما بين مصر وقطاع غزّة/فلسطين في قضية المعابر والأنفاق، وما بين اليمن والسعوديّة من صراع مذهبي حول الهويّات بين المذهب الزيدي والمذهب الحنبلي/الوهابي.

وما بين الكويت والسعوديّة حول حقول النفط المشتركة فيما يعرف بالمنطقة المحايدة، وما بين سوريا ولبنان – ولو بأقلّ حدّة – حول مزارع شبعا الحدوديّة المحتلّة. ليس هذا فحسب، ما يوتّر العلاقات بين الدول العربيّة، بل إنّ التدخّل والتحريض على العنف للإطاحة ببعض الأنظمة العربيّة التي تثير التوجّس والتخوّف منها بشكل من الأشكال بات من السمات الجوهريّة في سياسة دول خليجيّة معلومة ليس أقلّها قطر والإمارات والسعوديّة. فيما أنّ النزعة القوميّة وواجب التضامن، يفرض على هذه الدول العمل على الدفاع عن الدول الأخرى الأعضاء، عند الضرورة، وفق ما تمليه اتفاقِيّة “الدفاع المشترك” التي ظلّت – للأسف – إلى اليوم حبرًا على ورق.

هذا، وجاء في ميثاق الجامعة ما ينصّ على أنّها: «تسعى إلى صيانة استقلال الدول العربية وإلى المحافظة على أمن المنطقة العربية …» إلّا أنّ واقع الحال هو – للأسف – خلاف ذلك. فالواقع على الأرض يسفّه هذا المسعى لا بل وينفيه، حيث أنّ المشهد السياسي العربي لا يشير اليوم إلى أنّ الدول العظمى ولا حتّى غير العظمى تعير أيّ اهتمام لحرمة السيادة الوطنيّة للدول العربيّة التي كثيرًا ما تبدو في الصورة منزوعة السيادة وفاقدة لقرارها الوطني، تمامًا كما لو أنّها لا تزال مستعمرة وليست مستقلّة بكل معنى الكلمة. فهي ترضخ للإملاءات، وخاصة إذا صدرت من “العم سام” أو من بعض دول ودويلات خليجية، باتت مؤثّرة في قراراتها بفضل البترودولار الداعم القوي لخزينة الجامعة، لا بفضل الحنكة الدبلوماسيّة أو الوزن السياسي للدول والدويلات المومئ إليها. وتأكيدًا لهذا التمشّي أسوق على سبيل الذكر لا الحصر، حادثة تأجيل القمة العربيّة بعد حضور الوفود، خضوعًا للإملاء الأمريكي، ساعات قليلة قبل انعقادها في تونس سنة 2004.

وذلك على إثر تعمّد السفّاح شارون وعصابته اغتيال الشيخ أحمد ياسين زعيم حماس الروحي في ذلك التوقيت بالذات. وكان المقصود من التأجيل استبعاد مناقشة الجريمة الإسرائليّة التي كانت ستفرض نفسها بالتأكيد، وتكون محور اهتمام القمّة، حتّى ولو كان – معلومًا سلفًا – أنّه لن يتمخّض عنها سوى عبارات تنديد واستنكار باهتة اللّون، ملطّفة العبارات وخجولة، لمجرّد الاستهلاك واستدرار التعاطف الشعبي وكسب ودّ الرأي العام العربي. ولسائل أن يسأل هل حافظت الجامعة العربية حقّا على أمن المنطقة العربيّة كما جاء في ميثاقها؟! والجواب الوحيد الذي يردّده الجميع إنّما هو – قطعًا – بالنفي والسلب. فأي معنى لهذا الأمن والمنطقة العربيّة تكاد تكون برمّتها تحت صفيح ساخن أمام أنظار الجامعة، بل وبتواطؤ منها أحيانا مع جهات أجنبيّة و/أو عربيّة لتوفير غطاء سياسي للتدخّلات الخارجيّة في بلدان المنطقة التي تشهد أزمات أمنيّة كما أسلفنا الذكر في علاقة بمناطق التوتّر، من العراق إلى سوريا إلى ليبيا واليمن وحتّى السودان. وقد يصل هذا التواطؤ حدّ التحريض ضدّ بعض الدول العربيّة والإلحاح على ضرورة التدخّل العسكري لضربها. وعادة ما يقترن هذا التحريض بوعود قويّة للأجنبي بدعم عربي مالي ولوجستي واستخباراتي، وبقرارات تأييد من جامعة الدول العربيّة! وهو ما يتعارض مع نصّ الميثاق الدّاعي إلى «عدم التدّخل في شؤون الدول الأعضاء»، وإلى اعتماد الوساطة والتحكيم كآليّة لفّض المنازعات.

وعلاوة على هذا الوضع الأمنى المتردّي بما يشبه الجحيم فإنّ التعاون الثنائي، فيما بين الدول العربيّة لا يكاد يذكر، رغم أنّه جاء في ميثاق الجامعة أنّها تسعى لتنسيقه وتعزيزه في المنطقة العربيّة « في مختلف المجالات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والاجتماعيّة والصحيّة». بل إنّ واقع الحال العربي يشير بوضوح لا لبس فيه إلى أنّ ارتباط الدول العربيّة بالغرب سياسيّا وإقتصاديّا أشدّ وأقوى من ارتباطها بالعالم العربي في هذه المجالات، ولا سيّما منها المجال الاقتصادي، نظرًا لتشابه القطاعات الاقتصاديّة التي تنتج ضمنها كلّ الدول العربيّة، وهي بالأساس وفي الأغلب الأعمّ إمّا فلاحيّة أو صناعيّة ذات تقنيات بسيطة تعجز عن تلبية الحاجيات المتبادلة في مجالات كثيرة ومتعدّدة لا حصر لها. لأنّ التعاون الاقتصادي المجدي حقًّا، وخاصة منه التبادل التجاري، يقوم بالأساس على التكامل والتنوّع على مستوى قطاعات ومواد الإنتاج.

وبالنتيجة، فقد بات واضحًا اليوم أكثر من أيّ وقت مضى أنّ الوطن العربي، وبعد أكثر من سبعين سنة على نشأة الجامعة العربيّة، أصبح في وضع أسوأ ممّا كان عليه قبل نشأتها رغم حضور المستعمر على الأرض العربية آنذاك. فالوطن العربي اليوم يعاني ليس فقط من، أزمات اقتصادية خانقة، وتحديات اجتماعية وثقافية كبرى، بل وكذلك من عودة الاحتلال الأجنبي والصراعات المذهبيّة والطائفيّة والعرقيّة. وقد زاد في تأزيم هذا الوضع اندلاع ثورات عربيّة، حملت معها طموحات كبيرة في ترسيخ الديمقراطيّة والحريّة في العالم العربي، لكنّ سرعان ما أجهضتها أذرع الثورات المضادّة فتحوّل أغلبها إلى حروب أهليّة، تأكّد الآن أنّ للدواعش والحركات الجهادية، السلفية الرؤية والمنهج، النصيب الأوفر في إشعالها.

وخلاصة القول أنّ الجامعة العربية، لم بعد بالإمكان الوثوق بها والاعتماد عليها. لأنّها منظّمة إقليمية فاشلة يعوزها المشروع الموحّد وتفتقد إلى الرؤية المشتركة الواضحة المعالم. ولأنّها لم تحقّق نجاحات في أيّ من المجالات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة. ولأنّ وجودها وغيابها أو تغييبها سيّان لدى الشعوب العربيّة. لا بل إنّ حلّها نهائيّا أفضل من وجودها ضرورة أنّها باتت تساهم في تدهور الأوضاع العربية لا في تحسّنها. وفي كلمة، أصبحت هي المشكل وليس الحلّ الذي يطمح إليه العرب. إنّه لم يعد مستساغًا نعت الجامعة العربيّة ببيت العرب وقد سقطت أهمّ أعمدته الصلبة، الا وهي سوريا والعراق؟! أقول هذا وأكتفي، وأمشي ولا أنتظر جوابا نمطيّا جاهزًا من أحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست