الحرب ليست امتدادا للسياسة، بل هى الحقيقة المتكررة الأشد مأساوية فى تواريخ الشعوب والنقيض الخالص لأمل الإنسان فى الحرية والأمن والتقدم والرخاء.


اليوم تعانى بلاد العرب من حروب بين الجيوش النظامية وعبر الحدود الفاصلة بين الدول الوطنية (الحرب على اليمن نموذجا)، ومن حروب أهلية تفرض خرائط الدماء والدمار (الثورة السورية التى استحالت حربا أهلية)، ومن صدامات العنف الرسمى الذى يمارسه حكام مستبدون والعنف الأهلى الذى يتورط به إرهابيون ومتطرفون (يغرق عموم المشرق العربى فى مثل هذه الصدامات)، ومن حروب تشنها عصابات الإرهاب قتلا وحرقا وتهجيرا وتخريبا فى مساحات تمتد من الخليج شرقا إلى ليبيا غربا ومن العراق شمالا إلى اليمن جنوبا. اليوم تعانى بلاد العرب أكثر من جميع مناطق العالم الأخرى من الحروب وويلاتها التى صنعت منا أمة من القتلى والمصابين واللاجئين والمهجرين والمعتقلين.


على الرغم من ذلك ومن الأوضاع المأساوية لبلاد العرب التى صرنا إما ضحاياها وإما شهودا عليها، لم يزل الحكام يستخفون بالحروب ويزينون لشعوبهم التورط فيها. حرب على اليمن، تدخل عسكرى محتمل فى سوريا يضاف إلى الحروب بالوكالة الدائرة منذ ٢٠١١، تدخل عسكرى محتمل فى ليبيا يضاف إلى حروب الكل ضد الكل المستعرة منذ سنوات والسلاح القادم من اتجاهات عديدة والأموال المتنوعة المصادر، حروب وصراعات أهلية وصدامات مع عصابات الإرهاب؛ واستخفاف الحكام بالحروب يتواصل دون رادع وعجزهم عن البحث الجاد فى بدائل سلمية لإنهاء الحروب والصراعات العنيفة والصدامات المسلحة يستمر دون كسر للحلقات المفرغة ــ متروكة لشأنها لا تستدعى الحروب غير الحروب، ولا ترتب الصراعات والصدامات سوى المزيد من خرائط الدماء والدمار.


على الرغم من الأوضاع المأساوية لبلاد العرب، لم يتوقف أيضا استخفاف الكثير من الكتاب والمثقفين وأصحاب الرأى بمأساوية الحروب ولم يمتنعوا عن الترويج المريض لها كامتداد للسياسة بأدوات أخرى. والسياسة، معرفة كنشاط إنسانى طوعى وسلمى يستهدف تحقيق الصالح العام للمجتمعات وحماية حق الناس فى الحياة والحرية والأمن ويقدم دائما ما هو ممكن على ما ينبغى أن يكون ويبحث عن الحلول الوسط، هى من مثل هذه المقارنة الخائبة براء. وبالقطع لم يحترق من يستخفون بالحروب ويروجون لها بويلاتها، ولم تقترب خرائط الدماء والدمار منهم أو من مساحاتهم الخاصة، ولم يختبروا قسوة التهجير والارتحال وطلب اللجوء. هم كالحكام الذين يورطون جيوشهم النظامية فى الحروب بينما هم يحتمون بقصورهم الملكية والرئاسية، هم كأمراء عصابات الإرهاب الذين يضحون بأطفال قصر وغير مكتملى الأهلية من الشباب لكى يشعلوا الحرائق فى بلاد العرب وخارجها بينما هم يختبئون طلبا لمواصلة الحياة.


أرجوكم لا تصدقوا من يستخفون بالحروب، ولا من يقارنون بينها وبين السياسة، ولا من يصطنعون من الدماء والدمار والخراب مسكوتا عنه أو يزعمون أن الحروب ستأتى قريبا بأبطالها المنتصرين وبمهزوميها المدحورين وبنهاياتها السعيدة هذه سيعم السلام والتقدم والرخاء. فالحقيقة الوحيدة هى أن الحروب لا نهايات سعيدة لها، ولا يعم سلام أو تقدم أو رخاء ما لم تنجُ الشعوب من التورط فيها وفى حلقاتها المفرغة.

لا تستخفوا بالحروب.