منذ التحاقى بوزارة الخارجية عام 1960، تعاقب على الوزارة عشرون وزيرا، كلٌ له شخصيته الفريدة، فمنهم الصارم الذى يبعث التوتر الشديد فى كل من حوله، ومنهم «الهيليهلى » المرح المحبوب غزير الثقافة والعلم، ومنهم صديق الإعلام العالمى والمحلى، ومنهم عدو الإعلام الذى ينجح فى الجلسات الرسمية ويفشل فى مواجهة الإعلام، ومنهم المسيطر الذى لا تخرج ورقة من الوزارة ولا حبة فى ظلمات أرضها إلا بإذنه وعلمه وموافقته، ومنهم من لا يعلم ما يدور بالوزارة حتى يفاجأ بصدور حركة التنقلات متضمنة مدير مكتبه، إلا أن جميعهم يجتمعون فى شىء واحد.. وهو أنهم وزراء.. وليس فقط وزراء.. ولكن وزراء فى مصر.. وما أدراك ما الوزراء فى مصر.


حكى لى أحد سفرائنا فى الخرطوم أنه ذهب مرة إلى المطار لاستقبال أحد الوزراء السودانيين العائدين من زيارة لمصر.. وعند نزوله من الطائرة حياه بقوله حمد الله على السلامة يا معالى الوزير.. فرد الوزير السودانى.. هو احنا وزرا.. الوزراء صحيح فى مصر.. وكان يعنى بالطبع الهيلمان الفرعونى الذى يعامل به الوزير فى مصر.. القفز من سيارات الحراسة أثناء سيرها والركض بجوار سيارة معالى الوزير حتى يفتح الباب فى اللحظة التى تتوقف فيها السيارة.. ثم الركض والصريخ أمامه حتى يصل إلى المصعد المخصص له.. إلى آخر فنون التأليه التى برع فيها المصريون منذ القدم.. حتى يغشى قلب الوزير الاعتقاد بأنه فوق البشر.. إلا ما رحم ربى.


وقد كان الدكتور بطرس غالى من هؤلاء القلة المستثنين الذين لم يطرأ عليهم أى تغيير بعد توليهم الوزارة.. حيث ظل كرسى الأستاذية يتربع داخل قلبه الذى لا يشغل كرسى الوزارة إلا مكانة متواضعة.


كان صغار الدبلوماسيين ــ الذين ترتعد فرائصهم عند دخولهم على الوزير ــ يجلسون معه فى منتهى الراحة.. يحادثهم ويستمع إليهم ولا يضيق بالشرح والإسهاب.. شكا لى العميد الذى يرأس فريق الحراسة «أن أحد الدبلوماسيين من درجة متوسطة وضع يده على كتف الدكتور بطرس وهو يسير بجواره «لولا أن نزغتها بشدة».. وكان يهدف من حديثه أن يدعونى لأن أنبه الوزير «أنه يعمل وزيرا»!!


أحبته الوزارة وأخذ الجميع يتبارون لإظهار مهاراتهم وأدخل إلى الوزارة نفحة قوية من العمل الأكاديمى. ويرى الباحثون أن الفترة التى تولى فيها الوزارة هى أكثر الفترات الموثقة فى تاريخ الدبلوماسية المصرية.. فقد أصدر عدة كتب بيضاء تتضمن الوثائق الأساسية فى مفاوضات السلاح وفى مياه حوض النيل وفى العلاقات الأفريقية وفى الأمريكية اللاتينية... الخ.


***


كان أبعد ما يكون عن التكلف والادعاء.. اذكر أنه عقب دخول معاهدة السلام المصرية ــ الإسرائيلية حيز التنفيذ، حضر موسى ديان وزير خارجية إسرائيل فى ذلك الوقت لمقابلة وزير الخارجية وحضرت أنا المقابلة.. وأخذ موسى ديان يسرد بعض المطالب... وكان الوضع الطبيعى أن يستمع إليه الوزير ويعده بدراسة الأمر والرد عليه فى أقرب فرصة، إلا أن الوزير أراد أن يعطى موسى ديان انطباعا عن مدى نفوذه فى الحكومة المصرية ولدى الرئيس السادات فما كان منه إلا أن طلب الرئيس السادات ــ فى وجود موسى ديان الذى يفهم العربية ــ وعرض عليه الأمر، ثم وضع السماعة قائلا: لقد عرضت الأمر على الرئيس، فقال موسى ديان الذى فهم المقصد من المكالمة: «أنت لم تعرض عليه الأمر لقد أمرته».. ثم أردف قائلا وهو يضحك: «بالطبع لا أستطيع أن أشهد بذلك أمام المحكمة».


على النقيض من ذلك.. صحبت الدكتور بطرس غالى فى الأسبوع الأخير من شهر مارس عام 1979 إلى اجتماعات مجلس الجامعة العربية بالكويت – وهو آخر اجتماع شاركت فيه مصر قبل تعليق عضويتها – ثم أعلن أن الرئيس الأمريكى كارتر وصل إلى القاهرة وأنه يقوم بجولات مكوكية بين مصر وإسرائيل سعيا للتوصل إلى حل للمشكلات المتبقية، وفى اليوم الأخير للاجتماع الذى انتهى بعد منتصف الليل، طلب الأمير سعود الفيصل مقابلة الدكتور بطرس غالى وتمت المقابلة فى جناحه بالفندق فى نحو الساعة الثالثة فجرا، وسأل الأمير سعود: هل ستوقعون؟ وأجاب د. غالى: إذا كان كارتر قد تغلب على الصعوبات فلا يوجد عائق أمام التوقيع، وسأل الوزير السعودى: وهل نطمع أن تبلغونا قبل التوقيع؟ وهنا كان بإمكان د. غالى أن يكسب نقاطا لدى السعوديين إذا أجاب بأنه لا يرى مانعا من ذلك أو أنا سأوصى بذلك، إلا أنه قال: «أنه لا يستطيع أن يعد بذلك إلا أنه سينقل هذه الرغبة إلى الرئيس».


***


بعد سنوات عديدة زرت الدكتور بطرس فى مقر إقامته بنيويورك – وهو أمين عام للأمم المتحدة – بصحبة الدكتور نبيل العربى، فوجدته كما هو «الأستاذ بطرس غالى» الذى أخذ يحدثنا بصراحة حول علاقاته المتوترة مع الأمريكيين وكيف أنهم يراقبونه ويتنصتون على محادثاته وأن بيته هذا ملغم بآلات التسجيل وأن العاملين به عملاء للـ CIA، ثم يضحك ويقول: لقد علموا بالفعل أنكم حضرتم لزيارتى.


رحم الله الأستاذ الدكتور بطرس غالى رحمة واسعة.. كانت إذا أدلهمت الأمور يقول لى ما تقوم تصلى ركعتين يمكن ربنا يفرجها.. وقد صليت ركعتين أيها الأستاذ الجليل ودعوت لك بالرحمة والمغفرة وجنات النعيم.