صرخت السيدة «هيطرمخوها يا باشا» فى خاتمة أحد الفيديوهات التى انتشرت سريعا على مواقع التواصل الاجتماعى عقب مقتل الشاب محمد على سائق عربة الربع النقل والذى أصر أن يتقاضى أجرته من أمين الشرطة فقتله الأخير بثلاث طلقات من طبنجته الميرى. صرخة السيدة نابعة من تجربة وخبرة مع بطش السلطة وفساد السلطة وطريقة السلطة فى حماية «رجالتها»، كما أن الصرخة هى أيضا متفقة تماما مع سير الأحداث العامة حيث الظلم هو سيد الموقف وحيث الحساب والعقوبة لا تحدده معايير العدالة بل يحدده وضعك الاجتماعى أحيانا وموقعك من السلطة دائما. لو كنت معارضا سياسيا أو غير مسنود اجتماعيا فأنت تقف وحيدا فى مهب رياح التلفيق والبطش والسجن والتعذيب بل والإعدام دون التمتع بأبسط حقوقك القانونية والإنسانية. لو أنت من رجال السلطة وتحديدا لو من أعضاء جهاز الشرطة فأنت مواطن «بريمو» يتمتع بحصانة الإفلات من العقاب. قد يحتجزونك بعض الوقت لتهدئة الأوضاع لكنك ستفلت وستنتصر على العدل فى النهاية مثلك كمثل قاتل شيماء وقاتل سيد بلال وقتلة المتظاهرين وغيرهم كثيرون.


«شيوع ثقافة الإفلات من العقاب» عبارة حقوقية وقورة تعبر عن خلل خطير فى منظومة العدالة وأثر ذلك على سلامة المجتمع لكن ربما لصيغتها المتخصصة لا يشى وقعها بفداحة ما تشير إليه، لكن الحياة تدب فى تلك العبارة حين تطلقها سيدة الدرب الأحمر فى صيغتها الشعبية الحارة «هيطرمخوها يا باشا».


يمكنك التخلص من حفنة الحقوقيين المزعجين ممن لا يكفون عن التحدث عن التعذيب والحبس الاحتياطى والإعدام والإفلات من العقاب كما يمكنك تجاهل تحذيرات حتى أقرب حلفائك من الفاهمين بخطورة فساد منظومة المحاسبة وإقرار العدالة، لكن ماذا أنت فاعل مع هذه السيدة التى تتحدث بصوت قطاعات واسعة من الشعب؟ مطلب العدالة ليس أمرا شكليا تافها ينادى به بعض المهووسين غير المقدرين للظروف الصعبة التى تمر بها البلاد لكنه الطريق الوحيد لاستقرار المجتمع وأمانه كما بحت أصوات كثيرة تنبهك وتحذرك من العواقب الوخيمة لغضبة المظلومين.


***


أكتب هذا الكلام بعد يوم واحد من قرار وزير الصحة بإغلاق مركز النديم لتأهيل ضحايا التعذيب وهى الحلقة الأحدث من سلسلة طويلة من الحصار والتنكيل بالمراكز والمؤسسات الحقوقية والثقافية والاجتماعية والكيانات السياسية وبكل من تحدث بضرورة التغيير فى سبيل أن تكون مصر دولة قانون تصان فيها حقوق الناس وحرياتهم. خطورة هذا الأمر ليس فقط لدلالته على الاستبداد ولكن أيضا لأن السلطة بذلك تستهدف قنوات تواصل واتصال فى غاية الأهمية، فهؤلاء الأفراد والكيانات قد تصدوا لبلورة المطالب والتعبير عن أشياء موجودة بالفعل ولم يستحدثوا من عدم غضب الناس من الظلم وإنما شعروا به وترجموه وعبروا عنه ودفعوا أثمانا باهظة فى سبيل ذلك. وبمحاولة تكسير تلك الكيانات سيجد الحكام والمجتمع أيضا أنفسهم فى مواجهة أشكال من الاحتجاج وربما من الفوضى سيكون من الصعب فهمها أو التفاهم معها ناهيك عن السيطرة عليها.


استمع جيدا لسيدة الدرب الأحمر التى كانت تطلق صرختها وفى الخلفية أهالى الحى يحاصرون مديرية أمن القاهرة غضبا لمقتل ابن حيهم غدرا على يد السلطة المفترض فيها حمايتهم. استمع جيدا ودقق النظر أيضا ــ كلام أهالى الدرب الأحمر على لسان السيدة الغاضبة كان «هيطرمخوها يا باشا» ولكن فعلهم كان يقول لك «مش هنسمح لكم تطرمخوها يا باشا».