فى يوم الجمعة ١٢ فبراير كتبت فى هذا المكان بعنوان «الأفراد والأمناء والضباط.. علاقات خطرة». والآن وبعد ما حدث فى الدرب الأحمر وتزايد تجاوزات الشرطة خصوصا من فئة الأمناء، فإنه ينبغى علينا جميعا أن نحدد طبيعة المشكلة ونفككها ونفهمها جيدا حتى يكون العلاج صحيحا وسريعا ومن دون خسائر أو بأقل خسائر ممكنة؟.


الانطباع العام لدى كثيرين أن عناصر الشرطة كتلة واحدة مصممة على رأى واحد فى كل الموضوعات.


هذا الأمر ليس صحيحا، وبناء على ما هو متوافر من معلومات فإن عدد ضباط الشرطة نحو ٣٥ ألف ضابط، لكن عدد الأمناء والأفراد والمدنيين داخل الوزارة يتراوح بين٣٥٠ إلى ٤٠٠ ألف، منهم نحو مائة ألف أمين شرطة.


وهو ما يعنى أنهم الأغلبية الكاسحة فى وزارة الداخلية، وأغلب الظن أن هذا العدد لا يشمل عدد الجنود فى قطاع الأمن المركزى الذى يتم تجنيدهم عبر القوات المسلحة وتوزيعهم على الشرطة، ويخدمون لمدة ثلاث سنوات.


يقول كثيرون ان محمود وجدى وزير الداخلية الأسبق فى حكومة أحمد شفيق لعب الدور الأكبر فى «إخراج وحش الأمناء من القمقم». فهو الذى أعاد آلاف المفصولين منهم بسبب تجاوزاتهم إلى العمل مرة أخرى اعتقادا بأن ذلك سيضمن له الولاء، ويجعل الشرطة تقف على قدميها مرة أخرى بعد الضربة الكبيرة التى تعرضت لها يوم ٢٨ يناير ٢٠١١.


مع موجة وهوجة واتجاه الجميع لعمل الائتلافات بعد ثورة ٢٥ يناير، أسس أمناء الشرطة ناديا عاما لهم فى طرة له ٤٢ فرعا على مستوى الجمهورية، ونجح هذا الكيان فى تحقيق العديد من المطالب المشروعة وغير المشروعة للأمناء!.


وبينما تمكنت وزارة الداخلية من تفكيك ائتلاف ضباط الشرطة ومعظم مؤسسيه تمت احالتهم للاحتياط، فإنها لم تتمكن من اختراق نادى الأمناء، الذى صارت كلمته نافذة فى الوزارة، خصوصا بعد ان اطلق بعض الأمناء النار واقتحموا مديرية أمن الشرقية فى ٢٢ أغسطس الماضى واحتلوها بالقوة وأجبروا الوزارة على إصدار كتب دورية تستجيب لكل مطالبهم تقريبا. ويعتقد كثيرون انه منذ هذه اللحظة فقد «أفلت عيار الأمناء» وتصوروا أنفسهم دولة، ليس فقط داخل الوزارة بل داخل الدولة نفسها.


يرتبط بذلك أن هناك صراعا مستمرا بين الأمناء والضباط. الأمناء يحلمون دائما بالترقية إلى رتبة الضابط، وعدد كبير منهم التحق بالتعليم المفتوح، لكى يصل إلى هذا الحلم.


يقول الأمناء انهم يخدمون معظم الضباط بعيونهم، ولا يحصلون إلا على التعالى والاحتقار، يضيف الأمناء أنهم اليد الباطشة للضباط، وعندما يخطئ أحدهم تقوم الدنيا ولا تقعد. وفى المقابل فإن شكاوى الضباط من غالبية الأمناء لا تتوقف.


علاج مشكلة أو مأساة الأمناء تحتاح إلى نظرة شاملة، هى لن تحل فقط بالقرارات أو التشريعات، بل تحتاج أولا وأخيرا إلى علاج الثقافة العامة التى تنتج هذه النماذج المشوهة.


ليس كل الأمناء مجرمين ومختلين نفسيا، على شاكلة «الأمين حاتم»، كثير منهم يؤدون مهمتهم بشرف واحترام وأمانة، لكن المناخ العام وطريقة عمل الشرطة منذ سنوات طويلة هى التى قادت إلى هذا الوضع المأساوى الذى وصلنا إليه.


المطلوب منا ان نعالج المشكلة العامة بأكبر قدر من الهدوء. لا نريد قرارات متعجلة ترضى الرأى العام وقتيا، بحيث تتسبب فى كارثة أكبر لاحقا، نريد تفكيك قنبلة الأمناء بأكبر قدر من الحذر والمهنية، بحيث يتم ذلك فى إطار إصلاح شامل يفيد الشرطة ويقويها ولا ينتقم منها أو يكسرها.
ليس فقط أمناء الشرطة هم من يحتاجون الإصلاح، غالبية القطاعات داخل الوزارة والدولة تحتاج ذلك.