إن الإعلام على أي صورة كان سواء كان مرئيًّا أو سمعيًّا أو كتابيًّا يبقى تعريفه الأساسي وسيلة لنقل الصورة والمعلومة الحقيقية لأي حدث كان، إلى المتلقي دون أي تحيز أو نقص أو تضليل، ومن هذا التعريف يتبين أن الإعلام لا يكون إعلامًا في حال انحاز لطرف معين أو كانت حريته أو جزء منها مقيدة.

لو نظرنا اليوم إلى الإعلام العربي، وخاصة القنوات الإخبارية العربية المهتمة بالأخبار والسياسة، والتي تمثل تقريبًا ١٠ بالمئة فقط من باقي القنوات الأخرى والتي تتنوع بين الموسيقى والمسابقات التلفزيونية والأفلام السينمائية وبرامج الطبخ وغيرها، لرأينا قلة قليلة من تلك القنوات الإخبارية غير المنحازة والتي تتميز بالحرية الصحافية وتنقل صورة الحدث أو المعلومة كما هي دون قيود أو ضغوط خارجية، ولكن في المقابل نجد قنوات أخرى كثيرة تساق من جهة أو طرف معين، وبالتالي نجد أخبارها روتينية اعتيادية كتسليط الضوء مثلا على سياسة حكومية أو حزبية معينة، أو على شخص أو مجوعة ما بتركيزها على ما فيها من انتقادات وعيوب، وغير ذلك من السلبيات.

وفي نفس الوقت وعلى الطرف الآخر، نجدها تبجل وتعظم شخصية معينة أو حزبًا معينًا. وليس هذا فحسب بل إنه عند نقل خبر معين يجد المتلقي أن هذا الخبر متناقض في وصفه وكمه من مصدر إخباري إلى آخر، ويجد أن هناك تضليلًا إعلاميًّا واضحًا، فمثلا عند انطلاق شرارة الثورة المصرية في ٢٥ يناير ٢٠١١ كانت بعض القنوات التلفزيونية ولا سيما المصرية تصفها على أنها ليست بثورة وتطالب بتغيير النظام السياسي والرئيس المستبد لكي يتحقق العدل والحرية والرخاء الاقتصادي، فقد وصفت بعضها شباب الثورة بمجموعة قليلة من المخربين والمندسين يحاولون إحداث قلائل وزعزعة الاستقرار في الشارع المصري، وأخرى تصفهم بالإرهابيين من الإخوان والقاعدة، وأخرى تصفهم بـ(البلطجية).

وعلى الطرف الآخر كانت هناك محطات تنقلها على صورتها الحقيقية وبمنتهى النزاهة والشفافية كقناة الجزيرة، وهو ما أدى إلى قطع إرسالها عدة مرات، والتعدي على مكاتبها وطواقمها في القاهرة، مما جعل حتى قناة الجزيرة تخرج عن قواعد الموضوعية والحياد كتحريضها أكثر ضد نظام مبارك آنذاك.

ومن الملفت للنظر أكثر أننا لو تتبعنا القنوات المصرية ما قبل الثورة المصرية وما بعدها، لوجدنا أيضًا أن هناك تناقضًا في نظرتها إلى النظام السياسي، فقد كان نظام مبارك نظامًا شريفًا ونزيهًا بنظرها، أما بعد الثورة فقد أصبح نظامًا إرهابيًا ودكتاتوريًا، حتى أصبح هذا الإعلام يتماشى بحسب الوضع الراهن وبحسب ما تمليه عليه مصالحه.

أما في سوريا، فمما لا شك فيه أن هناك نظامًا دكتاتوريًا بقيادة بشار الأسد وبدعم ومشاركة من إيران وحزب الله في جنوب لبنان، قد قتلَ وهجَر وجوَع هذا النظام وميليشياته من السوريين عشرات الآلاف، ورغم كل هذا فإن بعض القنوات الإعلامية كقناة المنار والتلفزيون السوري “على وجه التحديد”، والتي يجب أن تكون موضوعية وحيادية وبعيدة كل البعد عن الانحياز كونها قنوات إعلامية، تحاول تبرير وتبرئة الأسد ونظامه، فتصف ما يحدث في سوريا على أنه مؤامرة خارجية وأن نظام الأسد نظام يحاول أن يتصدى لهذه المؤامرة الكونية الإرهابية من بدايتها حتى الآن.

وحتى في باقي الدول العربية أيضًا نجد أن في كل دولة منها قناة إعلامية تختص فقط بنقل أخبار الحكومة ومشاريعها، ونقل خطابات الرئيس وتمجيده ومدحه والثناء عليه، وإخراج أغان وطنية تحمل اسمه، متناسية بذلك سلبيات هذا النظام والوضع الاقتصادي الذي يعيشه الشعب والبطالة وما غير ذلك، والعجيب وكل العجب أن كل هذا التمجيد والثناء يتحول إلى ذم واتهام وانتقاد إذا ما حدثت هناك ثورة وخلعت هذا النظام، وهذا يذكرني بالمثل الألماني الذي يقول “إن وسائل إعلام يومنا هذا تقدم للأشخاص المترقبين والمتابعين دائما فرصة المقارنة ما بين كذبة الأمس وكذبة اليوم”. ومن ناحية أخرى، نجد أن هناك برامج تلفزيونية تستضيف من المحللين السياسيين أو السياسيين أوالكاتبين من يكون فقط متماشيًا مع توجهاتها وسياستها، أما من يتعارض مع توجهاتها فهو مستبعد تمامًا.

والسؤال هنا ما هي الأسباب والدوافع التي تجعل هذه القنوات مكبلة ومقيدة وبعيدة عن الحرية الإعلامية التي هي من الشروط الأساسية لأي عمل صحفي؟

وللإجابة على هذا السؤال تجب الإجابة على سؤال آخر، ألا وهو ما الذي يدفع أي طرف أو جهة لتوجيه الإعلام كما تريد؟ والإجابة على هذا السؤال هو أن الإعلام يعتبر بأي بلد السلطة الرابعة، وبمعنى آخر يعتبر الإعلام صاحب الدور الأساسي في صناعة الرأي العام وبالتأثير والإقناع وتشكيل الأفكار، وبالتالي جعل المجتمع يفكر ويعمل كما يخطط ويرسم ويريد. أما الدوافع والأسباب التي تجعل الإعلام مصاغًا ومساقًا من جهة معينة فتنحصر في عاملين أساسيين وهما: المال والسلطة. فعندما يوجد من يمول وكالة إعلامية بكل ما يلزمها من المعدات والتجهيزات والأموال فستكون منصاعة لآرائه وتوجهاته حتى لو كانت مغرضة وكاذبة، أما العامل الآخر فهي السلطة التي لها القدرة على إغلاق قناة بأكملها أو تغيير كادرها، وقد تكون هي المنشئة والممولة في نفس الوقت.

الخلاصة: 

الإعلام العربي اليوم هو عبارة عن أداة تستخدمها جماعة معينة مغرضة لتحقيق أهداف حزبية وسياسية، والضحية في النهاية دائما هو المواطن الذي سئم نفاق الإعلام وأكاذيبه من ناحية عدم نقل المعلومة بشكل كامل وصادق، ومن ناحية تركيزه على بعض المواضيع وإعطائها قيمة أكثر من حجمها، والتقليل من قيمة مواضيع أخرى تشكل محورًا أساسيًا للمواطن كالتي تهتم بتلبية احتياجاته الاقتصادية، والبطالة، والمشاريع التنموية والإسكانية، والتوظيف، بالإضافة لبرامج التوعية السياسية والبرامج الانتخابية، والبرامج التربوية والدينية.

باختصار يمكن القول أن إعلام اليوم جعل الأحداث الجارية تتداخل بعضها في بعض، وقلب الموازين رأسًا على عقب، وأصبح بعيدًا كل البعد عن الدقة والصراحة والصدق والأمانة، وأصبح يحدد من هو الخائن والعميل والإرهابي، ومن هو الوطني الشريف والمصلح، وكأنه أصبح السلطة الثالثة (القضائية) والسلطة الرابعة معًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست