طرقتْ أبواب الذاكرة بقوة مرة بعد أخرى!

لا أخفي نفسي سرًّا أنني رحتُ أبحث عن سبب، فهل من الممكن أن أكتب عنها في الذكرى 117 لميلادها؟ إذ إن صوت “فاطمة إبراهيم” تلألأ بالبكاء في بيت طيني بالغ الفقر في طماي الزهايرة بمديرية الشرقية، بندر السنبلاوين في 31 من ديسمبر 1898م، كما أسر مقربون من أصدقائها عن تاريخ ميلادها الحقيقي، إذ إنه لم تكن تواريخ للميلاد لتقيد في هذه الفترة في مصر، أم من الممكن أن أفعل في ذكرى وفاتها الحادية والأربعين تحين في 3 من فبراير المقبل؟! أم لأن الأمر له علاقة بالمثقفين والمطربين والممثلين المصريين اليوم، أكبر همهم من الحياة الملذات، وتكديس الأموال في “أشولة” ولو كانت غارقة في الدماء، ولم تكن “أم كلثوم” كذلك رغم كونها مثقفة، رغم عدم نيلها شهادة، ومطربة وممثلة وفنانة بل سيدة مصر الأولى؟! باختصار اعترف لا سبب للكتابة يخص التواريخ، ولكن هناك أسبابًا كثيرة غير ذلك!

قيل إن أباها أسماها “أم كلثوم”، كاسم بمنزلة اسم التدليل، مع اسمها الرسمي في ذاكرته، إذ إنه لم يُسجلها رسميًا، ولكنه آثر أن يجعل لها اسمين  “فاطمة” و”أم كلثوم” رغم هذا، ربما لأنها وُلدتْ في ليلة القدر!

الخميس 4 من يناير 1972 دار سينما قصر النيل بالقاهرة كانت أم كلثوم قد قضتْ في مسيرة الغناء أكثر من ستين عامًا، بداية من الحفلات الخاصة التي كانت تتقاضى فيها عشرة قروش تفتح بيت أبيها، وتجعلها تكسب أكثر من أخيها “خالد” المنشد في بطانة أبيها، بل تجعل الأب نفسه يقول:

ـ “دي أم كلثوم” عليت علينا كلنا يا أولاد!

60 عامًا من الغناء جالتْ فيها في بيوت البسطاء تتقاضى “طبق مهلبية” ويأخذ أبوها القروش، ثم إلى سرايا “عز الدين يكن” في القاهرة قيل “1920م”، وقيل قبل، ولكنها بعد هذا التاريخ كانت قد استقرت في القاهرة، ومع فعل الغناء جاء الغنى، تتعرف إلى المشاهير أبو العلا محمد، ومحمد القصبجي، ثم أحمد رامي، وتُعبأ أسطوانات، لا كما قال أحد المحسوبين على الإسلاميين منذ شهور إن “أم كلثوم”  كانت صناعة يهودية لأن بعضهم ذكرها في كتاب بصورة مفاجئة، أو لأن مُلاك “تعبئة” أسطواناتها كانوا يهودًا، اختلف أو اتفق معها كما شئتَ فكريًا،  بل حرّم غنائها إن أردت، لكن لا ينبغي أن  تخرج على الناس الآن لأجل أن تشتهر على حساب الأموات فتقول إن أسرتها كانوا يهودًا دون بيّنة أو دليل واضح!

60 عامًا لم يعشها ملايين الراحلين عن الحياة، ولن يعيشها كثيرون قادمين، بداية من ليلة انقلبتْ الآية فيها فصار أبوها من “بطانتها” بعد أن كانت له من بطانته، ولما نام الأب بفعل السهر، ذات حفلة، قام أحدهم فقال “لها”:

ـ وحياة أبوك في نومته لتعيدي!

فضحكت وأعادتْ ولم يقم أبوها من “نومته” أو ينتبه لما يحدث!

عام 1937 طلب الأطباء منها أن ترحل عن مصر إلى بلد بها “مياه معدنية”، لا تشك للحظة أن الحياة لما تعطي تمنحك منذ بدايات الحياة الأولى المنغصات المناسبة، وكلما ارتقى في الحياة سهمك ارتقتْ منغصاتك، لم يكن في مصر بالطبع مياهًا معدنية تُعبأُ في زجاجات، وقبل انتهاء الخمسينيات كانت “الغدة الدرقية” تهاجم أم كلثوم بشدة، النظارة السوداء عرفتْ طريقها إلى وجهها، كما في الصورة المعروفة التي كانت “صوت القاهرة” تضعها على أشرطة وأسطوانات حفلاتها، وكما في صورتها في اليوتيوب الآن، الصورة التي كانت “نجاة”، وفايزة، وشادية، وشهرزاد وغيرهن يتفنن في كسرها في حفلاتهن، كانت أم كلثوم بها “انحراف” في العين زاد بالدرقية التي تجعل العينان تجحظان، فكانت تمنع “كاميرا التلفزيون” من الاقتراب أكثر منها، ولعلها كسرتها، أو كسرها المصور مرات قليلة كما في أحد حفلاتها لـ”أمل حياتي” على سبيل المثال!

المهم عُولجتْ أم كلثوم من الغدة في أكبر المستشفيات المتخصصة في العالم حينها، ولكنها لم تعالج من أحمد فؤاد نجم، وكلب الست، ومرضعة قلاوون، وهلم جرا، والقصة معروفة!

من الملك فؤاد، مرورًا بالملك فاروق، وصولاً إلى جمال عبد الناصر كانت “أم كلثوم” حريصة على أن تكون قريبة جدًا، لا مسافة تفصلها عن حاكم لمصر، وقيل إن “جيهان السادات” قتلتها معنويًا لما قالت لها أمام السادات، وكانت الأولى قد ذهبتْ لتهنئه بالرئاسة وتدلله كما اعتادت معه:

ـ أبو الأنوار .. بذمتك كنت تقدري تقوليها لجمال عبد الناصر؟!

خرجتْ أم كلثوم تجر أذيال الخيبة من القصر الجمهوري، وهي التي جاءت مهنئة، وتحدثتْ مع السادات كما اعتادتْ، كانت بشرًا بها أخطاء البشر، نشرتْ طرفـًا منها السيدة صافيناز كاظم عام 1999م في جريدة خاصة مؤكدة أنها لم تكن ملاكـًا كما في المسلسل المسمى باسمها، وأنها كانت تفاصل “محمد القصبجي” على 19 قرشًا حال سفره معها خارج القاهرة وترفض أن تزيدها، وأنها كانت صاحبة تعليقات، ليست ولابد، وقد تعددتْ مرات ارتباطها، ولكن المتفق عليه إن لها مُلحًا لا تنسى، وذكروا أنه في الوقت الذي كان الإعلام يطبل لها لكونها “الآنسة” أم كلثوم كان قد سبق لها الزواج عدة مرات، دع عنك مرات كثيرة فيها كلام: لكن ماذا عن زواجها من “مصطفى آمين” وشاهد العقد “جمال عبد الناصر” والقصة أكثر من مشهورة، عوضًا عن “عمدة أسيوط” الذي تفرد به فيلم “فردوس عبد الحميد” عنها! لكن أخطاءها تتقازم أمام أخطاء فنانيّ اليوم، أو مَنْ يدعون أنهم كذلك وأيديهم وأرجلهم مغموسة في الدم!

غنتْ في بيت جزار، وكان في فمها حبّة حلوى من المعروفة ب “الكراملة”، أخذت الفرقة الموسيقية تعيد وتزيد في المقدمة الموسيقية حتى “جأر” الرجل بالشكوى قائلاً:

ـ ألن تغني يا ست؟!

فأشارت إلى فمها قائلة:

ـ لما “تذوب”!

ولم يكن الجزار يعرف بقصة “الكراملة”!

في مبنى الإذاعة بالشريفين كانت صاعدة لموعد تسجيل إحدى أغنياتها بالاستديو، خلفها أخوها خالد، وكان يلازمها أوقاتـًا كثيرة، ولقيها الشاعر الراحل أحمد رامي، وراح يناديها:

ـ إزيك يا روحي .. كيف روحي يا روحي؟!

كان “رامي” نازلاً السلم، وهي صاعدة، وطال الكلام، وكاد الموعد يتبدد، فقال خالد:

ـ انزل يا أستاذ رامي خلينا نشوف شغلنا!

فقالت أم كلثوم على البداهة:

ـ ينزل إزاي و”روحه” طالعه!

بالمناسبة قيل بقوة إن أم كلثوم تزوجت رامي لفترة من الزمن عكس القصة المعروفة التي تحيط بها نفسها حتى اليوم كهالة فنية من باب العزف على فيلم: “الخروج من الجنة”!

أما أطرف خلافاتها فكانت مع الراحل يوسف إدريس؛ إذ أعلنتْ أنها تريد منع التدخين في حفلاتها فقال:

ـ لا أحد يمنعني حق “السيجارة” ولو كانت “أم كلثوم”، ولا تكتمل متعة أغانيها إلا بالتدخين!

وغضبت أم كلثوم وأقامت الدنيا ولم تقعدها ومنعته من حضور الحفلات أو كادت!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست