حين تسقط الإدارة الأمريكية شرط احترام حقوق الإنسان من مسوغات تقديم المساعدات إلى مصر، هل يسرنا ذلك أم يحزننا؟ ــ خطر لى السؤال حين وقعت على الخبر الذى أبرزته صحيفة «المصرى اليوم» على صفحتها الأولى فى ١٢ فبراير الحالى، إذ نقلت الجريدة عن موقع «إنترسبت» الأمريكى أن إدارة الرئيس أوباما قدمت إلى الكونجرس مقترحاتها بشأن المساعدات الخارجية التى تقدم لمصر. ولم تتضمن تلك المقترحات الشرط الذى تضمنته الموازنات السابقة، التى تلزم مصر بمراعاة حقوق الإنسان. وكان ذلك الشرط يحجب ١٥٪ من قيمة المساعدات الأمريكية (ما يعادل ١٥٠ مليون دولار) لحساب استحقاقات ذلك البند، إذ تتضمن الفقرة ٧٠٤١ من الموازنة شروط منح المساعدات لمصر التى تتمثل فى تأكيد الخارجية الأمريكية على أن «الحكومة المصرية تحافظ على علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، وتلتزم بمعاهدة السلام، وأن تقوم تقارير دورية بشأن حماية حقوق الإنسان والأقليات الدينية، وتفعيل القوانين والسياسات التى تضمن ديمقراطية الحكم، وتحمى حقوق الأفراد وتحقق إنفاذ القانون، وتنفيذ إصلاحات تحمى حرية التعبير والتجمهر والتظاهر السلمى، وحماية منظمات المجتمع المدنى والإعلام».


طبقا لذلك النص فإن الإدارة الأمريكية أعربت عن رضاها، على مجمل السياسات التى تتبعها الحكومة المصرية، لكن ملف حقوق الإنسان كان من الصعب تمريره دائما، لذلك حجب مبلغ الـ١٥٠ مليون دولار. وكان الجديد هذه المرة أن الإدارة الأمريكية أسقطت ذلك الشرط. وطلبت اعتماد المبلغ الموقوف لتحقيق الإصلاحات والنمو الاقتصادى وتحسين الصحة والتعليم والمؤسسات الديمقراطية. واعتبرت أن إعفاء مصر من الشرط فى صالح الأمن القومى الأمريكى.


تستحق الشروط الأمريكية التى تم الوفاء بها أن نتوقف عندها ونحاول تحريرها بندا بندا، ذلك أنها ترد بقوة وحسم على الذين يشككون فى موقف الإدارة الأمريكية التى يجرى الغمز فيه بين الحين والآخر، بدعوى عدائها للنظام القائم وتآمرها مع الإخوان على مناهضة النظام. وهى الادعاءات التى ثبت أنها مجرد فرقعات إعلامية أطلقتها أجهزة التوجيه المعنوى للإيحاء بوجود صراعات تخوضها القيادة المصرية ضد القوى الكبرى. وعلى الرغم من أهمية ذلك الجانب فإننى مهتم فى اللحظة الراهنة بدلالة إسقاط احترام حقوق الإنسان من بين شروط تقديم المعونة إلى مصر. خصوصا أن ذلك حاصل فى توقيت أصبحت قضية حقوق الإنسان فى مصر محل لغط واتهام من جانب الإعلام العالمى بعد حادث تعذيب وقتل الباحث الإيطالى جوليو ريجينى. وهو الحادث الذى أضاف فصلا جديدا إلى سجل انتهاكات حقوق الإنسان التى أصبحت أحد العناوين المدرجة ضمن هموم المصريين ومعاناتهم.


وإذ لا أؤيد قيام أى دولة خارجية بمعاقبة مصر لأى سبب، وأتمنى أن يتولى المصريون وحدهم محاسبة حكومتهم على مواقفها وما تمارسه أجهزتها من انتهاكات، إلا أن دلالة خطوة الإدارة الأمريكية تستحق وقفة من جانبنا. ذلك أن غض أبصارها عن الانتهاكات الحاصلة فى مصر يفسر بأحد احتمالات ثلاثة. الأول أن تكون واشنطن قد فقدت الأمل فى إمكانية وقف تلك الانتهاكات فقررت أن تتجاوزها باعتباره أمرا ميئوسا من إصلاحه. الثانى أن الإدارة الأمريكية لم تكن جادة فى اشتراطها ضرورة احترام حقوق الإنسان فى مصر، وإنما وضعت ذلك الشرط من باب التجمل وادعاء الفضيلة. الثالث ان واشنطن معنية بمصالحها ومصالح إسرائيل بالدرجة الأولى. ولا يهمها فى قليل أو كثير أن تحترم حقوق الإنسان أو تنتهك فى مصر أو أى بلد آخر، ومادامت المصالح متحققة والعلاقات الاستراتيجية على ما يرام والالتزام بمعاهدة السلام ماض ومستقر، فكل ما عدا ذلك أقل أهمية ولا يستحق الاكتراث به.


إن إسقاط الشرط المذكور واعتماد مبلغ الـ١٥٠ مليون دولار قد يكون خبرا سارا للحكومة المصرية التى تواجه أزمة فى توفير العملات الصعبة. إلا أنه يظل فى جوهره شهادة تدين سياسة الحكومة ولا تصب فى صالحها ــ ذلك أن أحدا فى مصر لا يستطيع أن يدعى بأن الإدارة الأمريكية أسقطت الشرط لأن الظاهرة اختفت ولم تعد فى مصر انتهاكات، أستثنى من ذلك المتحدثين باسم الداخلية ورئيس المجلس الحكومى لحقوق الإنسان الذى صرح أخيرا بأنه ليس فى مصر تعذيب ممنهج وأن حملة الاختفاء القسرى هدفها تشويه مصر فى الخارج ــ وهو ادعاء لم يعد يصدقه الأجانب وتشهد مواقع التواصل الاجتماعى أنه صار محل استهجان وتندر من جانب المصريين.