كليبات الفنانة ((نانسي عجرم)) والتي تحوز على إعجاب الفئة الأكبر في الشعب, كل على شاكلة إعجابه بها, وكل على حسب قريحته, فالرجال معجبون بالفنانة ذات الوجه الطفولي, والنساء معجبات بالمودل الذي يظهر مع الفنانة, والذي في اعتقادى هو نفس الشخص أو نفس (الاستريو تايب) من الرجال الذين يذهبون (للجيم) ولا يمتلكون رفاهية تربية (الكرش)، والشعر الناعم والعيون الخضراء التي لا يتمتع بها الرجل المصري بفضل تكوينه الجيني, الذي لم يتح له أن يشبه ذلك (المودل).

العمل السياسي في مصر هو مساحة لفرض تلك النظريات عن الحب للزعيم العظيم, اللهم إلا الخونة والعملاء الذين يقعون على يسار أو يمين السلطة. فمع عودة الحياة الحزبية مع الرئيس المؤمن أنور السادات, ظلت الأحزاب التي على يسار السلطة تتباكى على ما تسميه انقلاب السادات على المشروع الناصري, ثم بعد أن ارتفع جسد الرئيس المؤمن إلى السماء وبقت روحه حاضرة في خليفته مبارك, تحولت هذة الأحزاب جميعها إلى صور مكررة من أحزاب تجمعت جميعها على حب الزعيم، حتى وإن ارتفع الصوت مرة أو أخرى فيرتفع للعتاب اللطيف للزعيم على خطوة ما، لا يلبث ذلك العتاب أن يتحول لما يشبه عتاب الأحبة حتى وإن ضرب الحبيب معشوقه، فكما نعلم أن (ضرب الحبيب زي أكل الزبيب).

الرب دائما ما يرعى الزعيم وإن لم يكن يرعاه فالشعب خلفه, ولو فقد تأييد الشعب والرب, فالأمن القومى يقتضي بقاءه, وإن لم يقتض إرادة الرب والشعب والأمن القومي بقاءه, فنحن اخترناه, ولا بد أن نتحمل جزاء اختيارنا, والديمقراطية ليست السير على (مزاج) الشعب وإلا فهي (لعبة), والدول لا تبنى بالألعاب يا سادة.

بعد خطاب مبارك الرومانسي الشهير الذي يتحدث فيه عن أنه ولد على هذه الأرض وسيموت عليها, وهي بالمناسبة معلومة هامة, لأنني لم أكن أعرف أنه ولد هنا! وإن كنت أشك في احتمالية أن أراه ميتا في حياتي!، وإذا كنت لم أر في عشرين سنة من حياتي وزيرا يموت! فكيف أرى رئيسا يموت!، لم أكن أدرك أن الشعب والقوى السياسية في مصر تحمل هذا القدر من الرومانسية ربما الحب الأفلاطوني للزعيم، نحن لم نرَ خيرا منه ولكننا نحبه، بمبدأ (أحبه مهما أشوف منه) تدار السياسة في مصر.

بعد التحولات الاجتماعية والسياسية الكبيرة التي أنتجتها الثورة كنت أعتقد أننا سوف نفقد هذا الحس الرومانسي تجاه الزعماء, ونبدأ فعلا في إدارة الصراع على أنه صراع مصالح ومكاسب ومساحات تكتسب في اللعبة السياسية، لكن خاب أملي كثيرا، خاصة مع زيادة الجرعات الرومانسية الأفلاطونية من الجنرال بعد 30 يونيو، فالجنرال الآن يمتلك (قلب خساية) بداية من تفويض القتل, ونحن نتحمل تلك النزعة الرومانسية، لم أر أحدا يفوض أحدا يتحدث بصوت ناعم أن يقتل, والأخير يقتل بابتسامة ساذجة تحت شعار حماية الأمن القومي.

بالطبع كان من الطبيعي أن يكون الشعب رومانسيا إذا كانت طليعته السياسية والاقتصادية ومثقفيه (إلا من رحم ربي) رومانسيين تجاه الرئيس، ومع التصعيد الرومانسي للحب, والمكانة العظيمة التي بدأ يأخذها (الفالانتين) وخاصة بين أوساط الطبقة الوسطى التي تسيطر بخطابها الرجعي على كل شيء في مصر, فلا بد لنا من عيد حب للجنرال وحده لا يشاركه فيه غيره من البشرية على وجه الأرض وربما تحوذ التجربة على تأييد عدد من الدول المشابهة لنا, وإن كنت أشك أن توجد دولة مشابهة لنا, اللهم إلا كوريا الشمالية, والتي تتمتع برومانسية هي الأخرى تجاه الزعيم, ولكن رومانسية كوريا الشمالية من الممكن اعتبارها أكثر قوة من تلك التي نمتلكها نظرا لجمال (طلة) الزعيم الكوري الشمالي، رغم تشابهه مع الجنرال, إنما (الشعر ليه هيبة برضه) وهذا ليس استهزاء ب(صلعة) الجنرال, إنما تحليلا لأثر شعر الزعيم على نسبة تأييده في الشعب.

قديما قالوا (إن كان زعيمك عسل متلحسوش كله) ولكن يبدو أننا في السياسة في مصر مصرين إصرارا حادا على أن (نلحسه) كله، حتى أن الجنرال بدأ يضيق ذرعا بمحاولات (اللحس) كله, وطالب إيانا بالعمل من أجل مصر, وهو يقصد أن نعمل من أجله هو, ولكن لا بد من وجود طرف ثالث في علاقة الحب بين الجنرال ومريديه, وهي الأم (مصر).

كما روايات الأديبة الجزائرية (أحلام مستغمانى), نحن نعيش في قصة حب بين الرئيس (ذو الخلفية العسكرية), مع التأكيد على الخلفية العسكرية والشعب والقوى السياسية ومصر، وكما في رواياتها أيضا حينما يحب البطل فتاة وتحب الفتاة رجلا آخر! ويحب الرجل الآخر فتاة أخرى, لنصل للنتيجة النهائية, وهي أن (كل الرجال خائنون كلاب أولاد…!) فالجنرال يحب الشعب والقوى السياسية تحب الشعب, والشعب يحب رجلا آخر ( جنرال آخر ) وهو عبد الناصر! ويحاول أن يرى في أي جنرال يأتي, صورة الجنرال السابق وهو عبد الناصر, ولكن يبدو أن النتيجة النهائية هنا هي أن (كل الشعوب أغبياء)!

لا أرى مبررا عقلانيا لهذا الحب, ولكن دعونا نتمسك بالمذهب الأفلاطوني في الحب, رغم اعترافي بالطبيعة الشهوانية التي تتملك الجنرال تجاه الشعب -والواضحة من خطاباته- وأيضا من تصريحات الدائرة المقربة منه، ومقالات الصحف التي تحبه هي الأخرى ولكم في (هل يضعه السيسي بأكمله) مثلا على هذا الحب الشهواني، ولكن مراعاة لوضعنا الأدبي, أرى أن نتمسك بالحب الأفلاطوني في هذه الحالة, لأن غيره سوف يحمل معاني ومآرب أخرى.

“ياالله! هل من الممكن أن تطل بقرة من شرفة الوطن؟” كانت الجملة السابقة وصفا دقيقا سحريا وضعه الروائي العالمي (جابريل جارسيا ماركيز) في روايته (خريف البطريرك) مستعرضا بواقعيته السحرية مشهد الثورة, حين تجمعت الجموع أمام القصر الرئاسي, ليخرج من شرفة القصر المهجور, والذي ظن البعض أن الرئيس يسكنه, وهو في حصن منيع من الشعب، حتى أدرك الجميع أن الحيوانات ((من ديوك وماعز وأبقار)) تعبث في قصر الجنرال, حتى أنهم حينما ذهبوا أطلت من شرفة القصر الرئاسي عليهم بقرة!

لا أعتقد أننا لو ذهبنا هناك عند القصر الرئاسي سنجد بقرة تطل من الشرفة, ولكن سنجد مجموعة من مصاصي الدماء تطل علينا, يتوسطهم جنرال يقول لنا (إنتوا متعرفوش إنكم نور عنينا ولا إيه)! هنا ستغلب علينا الميلودراما وسنعود أدراجنا, وحينها سوف يعم الحب جميع أرجاء البلاد!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست