والآن كثر الحديث عن قضايا فساد أعلن عنها المستشار هشام كاذب من ينكر أن الفساد جزء أصيل من منظومة وتركيبة الدولة المصرية، خاصة المالي منه عندما بدأ يطل برأسه لأول مرة بداية الثمانينيات بقضية فساد شهيرة أطلق عليها “قضية الفراخ الفاسدة” بطلها توفيق عبد الحي والذي هرب إلى اليونان عام 1982 بداية تدشين حكم مبارك، والرجل عمل في السياسة فصار مليونيرا، واشتغل في التجارة فصار سياسيا وإعلاميا، فهو ابن مرحلة السبعينيات، عضو الاتحاد الاشتراكي، وقيادي التنظيم الطليعي، وعضو الحزب الوطني، وأقرب الناس إلى قلب عثمان أحمد عثمان صهر الرئيس الراحل السادات وهو فتى “التنمية الشعبية المدلل”.

هذا تلخيص لقصة المليونير توفيق عبد الحي الذي اصطلح على تسميته إعلاميا في مصر بـ “تاجر الفراخ الفاسدة”، وهو رجل جعل الإعلام منه أسطورة، حتى قبل أن يترأس ثلاث صحف: “الجماهير” و”صوت الطلاب” و”الحقائق”,  والأخيرة أصدرها في اليونان، وهاجم فيها الحكومات العربية، قبل أن تبرئه محكمة أمن الدولة العليا بتاريخ 28 أبريل عام 1994 من قضية “الفراخ الفاسدة”، وهو الرجل الذي أصبح الوجه الآخر لعملة “القروض البنكية بلا ضمانات”، التي استغلها من بعده العشرات من رجال الأعمال الهاربين  وصارت عرفا حتى الآن في مصر، ورغم إصدار المحكمة حكمًا ببراءته إلا أنه آثر البقاء في الخارج وتخوف من العودة لمصر لينضم إلى رفقائه.

الورق ورقنا والدفاتر دفاترنا

هذه كانت البداية والتي عرف المصريون لأول مرة من خلالها الحديث عن الفساد بشكل علني وعبر وسائل الإعلام ، ومع مرور العقود الثلاثة الأخيرة تعالت وتيرة الحديث عن الفساد الذي يضرب جنبات الأنظمة بحسب تتابعها ، بشكل أجلس مصر على قمة الدولة الأكثر فسادًا في العالم، حتى أن عامة الشعب وصل درجة التشبع من كثرة الحديث عن فساد فلان وعلان وكبار القوم في الدولة المصرية، ليصل لدرجة اللامبالاة ولا عاد يعقب سوى بكلمات بسيطة تحولت لنكات وقفشات يجيدها المصريون بخفة ظل معهودة عنهم مثل “الورق ورقنا والدفاتر دفاترنا, وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم, طلق يا بوالعلا طلق” ـمن وحي فيلم الزوجة الثانية” للرائع الراحل صلاح منصور والقدير الراحل شكري سرحان والراحلة سعاد حسني- وغيره من المصطلحات التي حفلت بها الأفلام المصرية، فالفساد لم ولن ينتهي في القريب العاجل، إلا بانتهاء المافيا التي تنتشر وتتوغل في مفاصل الدولة من مسؤولين لايعرفون قيمة الوطن، فقط يعرفون قيمة امتلاء جيوبهم بالمال الحرام.

الوضع الآن!

جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات قدرها الرجل بــ 600 مليار جنيه وهو رقم ضخم لو قيس بالوضع الحالي للاقتصاد المصري وترهله الواضح، جنينة رمى بقنبلته لتتناولها وسائل الإعلام بشكل مكثف، وتشتغل عليها ما بين مؤيد ومعارض وناكر لهذا الرقم من الأساس، مثل: مصطفى بكري وغيره من مداهني النظام الحالي والمدافعين عنه. إلا أن رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات أصر على أن الرقم صحيح، ويأمر الرئيس المصري السيسي بتشيكل لجنة تقصي حقائق عن صدق تقرير جنينة من عدمه، لتقضي في النهاية أن هذا غير صحيح ليتحول جنينة إلى ضحية دولة فساد فمن ” تقصَّى الحقائق” هم أنفسهم أبطال تقارير الرجل المستمرة عن الفساد في السنوات الأربعة الأخيرة، ليخرج للرأي العام مؤكدًا أنه قدم مئات البلاغات من منذ عام 2011 وحتى الآن للنيابة العامة.

ولم يتم  التحقيق سوى في نزر قليل منها, في المقابل شن الفاسدون حملة عنيفة ضد الرجل وتوعده بكري عضو مجلس النواب بالعمل على تحويله للنائب العام، وهو ما يؤكد أن النظام الحالي، يحافظ على رموزه ويحميهم من المساءلة القانونية طالما ساروا في نفس الركب، وباركوا السياسات الخاطئة التي ينتهجها على الصعيد السياسي والاقتصادي والتي أدت في مجملها إلى كوارث يداري عليها الإعلام الموجه.

اغتيال واضح لجنينة

ومع اشتداد الحرب بين الطرفين يتعرض المستشار هشام جنينة لمحاولة اغتيال معنوية ومهنية، كما سبق وجرى لغيره ممن تجرؤوا وكشفوا عن قضايا  فساد واستغلال نفوذ، كما جرى مع المقدم الشريف معتصم فتحي بطل قضية “القصور الرئاسية” القضية الوحيدة التي أدين فيها المخلوع مبارك، حيث تم التنكيل بالرجل وخفض راتبه من 14 ألف جنية لــ 1400 جنية فقط، وتم تحويله لوظيفة إدارية بمدينة دمنهور شمال العاصمة المصرية، ولم يكن فتحي هو الوحيد الذي يذهب ضحية جراء كشف قضايا فساد، فمثله مثل وزير العدل الأسبق أحمد سليمان عندما تجرأ وتحدث عن مافيا الفساد في مصر مؤكدًا أن نظام السيسي يحميها، ويبعد كل من يحاول النبش في عش الدبابير كما يقول المثال العامي المصري، وتبقى قضية إثارة جنينة لميزانية نادي القضاة المصري هي مربط الفرس عندما تحدث عنها وضرورة كشفها، لتبدأ الحرب الشرسة على الرجل دون هوادة، وما يحزن حقًّا أن تخرج جهات ورموز سياسية تدافع عن الفساد في مصر دون الاكتراث بما تمر به البلد من فترة هي الأصعب في تاريخها، لمجرد أن يبقى النظام الحالي وتقوى شوكته, عائدًا لنا نموذج حكم مبارك بكل مساوئه، وما فعله بمصر والمصريين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست