في المقال السابق الذي كان بعنوان “عن الجسد: كتلة الألم ومحاولات الخلاص” تحدثت عن الجسد ونظرتنا إليه والألم المرتبط به ماديًّا أو معنويًّا، وطرحت حلولًا حول كيفية التعامل مع هذا الألم والتحرر منه، وافترضت أن “الحجاب” قد يكون وسيلة من وسائل التحرر من الألم المرتبط بالجسد، والسمو الروحي، والابتعاد عن الاهتمام بالمظهر الخارجي والتركيز على ما هو جوهري.

وطرحت بعض الأسئلة عما إذا كان فهمي الخاص لبعض الأمور مثل الحجاب مطابقًا لما جاء في الشريعة الإسلامية أم مختلفًا معه.

في هذا المقال أيضًا، سأخطو على نفس النهج، متحدثة عن الزواج، وفهمي له، وقد أتساءل عن اتفاق فهمي هذا للزواج مع الواقع الذي نعيشه ومع ما يمكننا تحقيقه واتفاقه أيضًا مع الكلاسيكيات الدينية المشهورة.

أولًا: الخدعة

جيلي من مواليد أواخر القرن الماضي، وربما من سبقونا ببضعة أعوام، لا أعرف تمامًا من أوهمنا بكلام المسلسلات والأغاني عن الحب، ومن أقنعنا أن كثرة الحب والتجارب العاطفية شيء مهم حتى نبني صورتنا عن الشريك المنتظر، ونكتسب الخبرات العاطفية والجنسية، وصارت الفتاة أو الشاب الذي لا يحصل على عدد من العلاقات شابًا مأسوفًا عليه، فهو لا يعرف من الحياة شيئًا، ولأننا في مجتمع شرقي غير مسموح فيه بالعلاقات العلنية خارج الزواج فما فعلناه هو أننا رقصنا على السلالم، تمامًا، لا عشنا عيشة أهلنا وتزوجنا من تختاره لنا أمهاتنا، ولا عشنا تجارب عاطفية مكتملة وحقيقية نتعرف من خلالها على ذواتنا، صرنا مهووسين بالحب وبالعلاقات، وسارعنا للدخول في علاقات كثير منها يحمل تدميرًا لنا ولمشاعرنا أكثر مما يبنينا ويفيدنا، وكل ذلك لم يحمل لنا أي نتائج جديدة ولم يحسن من قدرتنا على اختيار شركائنا، هربنا من قصور نظام الزواج في مجتمعنا لقصور آخر في علاقاتنا السطحية والمؤذية والموجعة، والمقارنات الدائمة لأنفسنا بغيرنا، ومقارنة مشاعرنا بمشاعر الآخرين من حولنا، وصنعنا غباءنا العاطفي الخاص دون أن نحل جذور المشكلة.

ثانيًا: عن ليلة هامة في يوليو الماضي

كانت ليلة هامة في يوليو الماضي، ليلة أجد صعوبة كبيرة في التعبير عنها لخصوصيتها وما تركته من أثر في قلبي وذهني.

كنت مضطجعة برأس مليء بالأفكار والهواجس والأسئلة، وكانت فكرة الألم التي تحدثت عنها في المقال السابق تسيطر على تفكيري: أن أجسادنا طوال الوقت تتألم، في فرحها وفي حزنها، في لحظة لذتها حتى تتألم، وكنت أفكر بعمق، كيف للإنسان أن يتخلص من هذا الألم، كيف له أن يهرب من جسده ويتخلص من الألم المرتبط به؟ وهل الهروب هو الحل؟

هل أجسادنا هي عائق حقيقي لأرواحنا؟

أجسادنا، التي تتطلب الكثير من الحاجات، أجسادنا التي تحتاج للأكل والشرب والجنس والعناية والنوم الجيد حتى لا تتلف، وتأخذ مساحة كبيرة من تفكيرنا وتشكل جزءًا لا يستهان به من دوافعنا ومحركاتنا الرئيسية نحو سد احتياجاتها، أجسادنا التي تحدد وجودنا في الحياة وتحدد مظهرنا الخارجي الذي نتعامل به مع الناس والذي يصنفنا الناس على أساسه: بيضاء سمراء طويلة قصيرة شابة عجوز. أجسادنا التي تحتوي أرواحنا داخلها وتحدد موقعنا من العالم، فنحن نولد في البلد الفلاني في المنطقة الفلانية والحي الفلاني داخل الجسد الفلاني وهذا يفرض علينا التعامل مع البيئة التي أدت أقدارنا (وأجسادنا) إلى تواجدنا فيها. هل هذه الأجساد عائق نحو السلام والسعادة الروحية؟ كنت أفكر في كل ذلك بينما كان هناك ألم عميق في روحي وشرخ في تفكيري يلح للتوصل لإجابة ما.

هل علي التخلص من هذا الجسد تمامًا حتى أعرف معنى الراحة والنعيم؟

ثم عند تلك النقطة، بزغت في ذهني الفكرة، وتجسدت كما تتجسد الشخوص أمامنا، رأيت الحياة والوحدة والحب والسلام، رأيت كل تلك الأشياء في صلبها وعمقها، ومن الممكن أن أشرح ما رأيته أمامي على النحو التالي:

كان جسدي المليء بالألم على السرير، وكانت الوحدة، وحدة الإنسان وعزلته ملتصقة بي، وتراءى لي طريق طويل جدًّا، بدا أن في آخره هناك سعادة الإنسان الحقة.. كيف ذلك؟

رأيت في ما رأيت، أنه مثلما أن الألم ملاصق للإنسان طوال حياته، فإن الوحدة والعزلة أيضًا ملازمتين له في حياته ومماته، مهما تجاوز الإنسان هذه الوحدة بالاختلاط مع غيره من البشر، ومهما بنى جسورًا للتواصل بينه وبينهم فهو وحيد وسيظل كذلك، الوحدة سمة من سماته الأساسية فطره الله عليها، فنحن في أكبر لحظات ألمنا نكون وحيدين، وفي أكبر لحظات فرحنا نكون أيضًا وحيدين، وحتى إن نظر شخصان في الوقت نفسه إلى الشيء نفسه فإن كل شخص منهما يرى الشيء بنظرته التي تختلف عن نظرة الشخص الملاصق له والذي ينظر معه في اللحظة نفسها.

ورأيت أيضًا، كم أن الإنسان في سعي دائم إلى التخلص من هذه الوحدة والعزلة وإيجاد شيء من الائتناس والسلوى، وهو لا يكف عن هذا السعي أبدًا.

ورأيت كذلك أن هناك طرقًا عدة ليسد الإنسان احتياجه ويبعد الوحشة والعزلة، بعضها طرق سهلة وسريعة ولا تحتاج لمجهود، مثل الحصول المباشر على الملذات في الطعام والشراب والجنس والخمر والمخدرات … وهناك طرق أخرى أصعب وأكثر تعقيدًا للوصول للذة والائتناس.

أزمة اللذات المباشرة السهلة، أنها سرعان ما تنتهي، ويعود الإنسان من جديد، ليبحث عن متعة جديدة، دون أن يسد خواءه الداخلي، وفي كل مرة تنتهي لذته يشعر بالألم الإنساني الغريزي داخله، والمرتبط بتكوينه البشري، وفي كل مرة يكون الألم أعظم وأشد، وبقدر الألم يبحث عن متعة أكبر أكثر تشويقًا. وهذا التكرار للمعاناة، يسلب الإنسان إنسانيته، ويزيده شراهة وجشعًا وقسوة.

هذا عوضًا، عن أن الملذات اللحظية المباشرة في صلبها لا تحمل متعة حقيقية، بل إن الإنسان يكون مدفوعًا لها بسبب عمائه واحتياجه المفرط واللحوح، مما يعني أنها ملذات مخادعة، لا تحمل الصدق داخلها، ولا تساعد على تقدم الإنسان كفرد وتخلصه من ألمه، ولا على تقدم المجتمع والإنسانية بشكل عام لمساعدة قدر كبير من البشر وتخلصيهم من عذابهم وتحسين حياتهم.

إذن هي تحط من قدر الإنسان، وتحوله للاستهلاك بدلًا من الإنتاج والعطاء، وإلى القسوة والجشع بدلًا من الرحمة والرأفة بنفسه وبالآخرين.

أما كل ما هو حقيقي في جوهره، فهو يمثل المتعة الحقة التي لا ينتج عنها الألم.، ولكن كيف نعرف ما هو الـ”الحقيقي” من “غير الحقيقي”؟

تجاوب صديقتي “سلمى” عن هذا السؤال، بأننا نستطيع معرفة الـ”حقيقي” بالاستماع لفطرتنا والصوت الذي بداخلنا، وأنه كلما استمع الإنسان لفطرته كلما قدر على اكتشاف الحياة بحقيقتها الفعلية وليس كما صورها له احتياجه ورغباته، فينزاح الضباب من أمام عينيه، وتقوى عيون قلبه ووجدانه. كيف ذلك يا سلمى؟

سأوضح كلام سلمى بعض الشيء، وسأضيف عليه، أن الـ”حقيقي” هو الذي يسعى إليه الإنسان بصدق، وبشرف، دون أن ينتقص من نفسه أو يحط منها من أجل الحصول عليه، ودون أن يسلك طرقًا ملتوية للحصول عليه. الغايات الصادقة والحقيقية في حياة الإنسان تتمثل في كل ما يقربه من إنسانيته. وبعض الأمثلة على ذلك أن يكتسب المعرفة، أن يتعلم ويعلم غيره من البشر، أن يحل أزماته كفرد وأزمات المجتمع كإنسان، أن يتحرر من مخاوفه، أن يستخدم عقله ويديه في الصنع والإنتاج، أن يعمل، أن يكون منتجًا، أن يكون معطاءً، أن يكون مبتكرًا، أن يكون مكتشفًا، أن يرى الله ويسعى لملامسته، أن ينتصر لإنسانيته وعقله وحريته من القيود التي تفرضها عليه احتياجاته وآلامه وعذاباته.

عند ذلك، وعند ذلك فقط، يكون الإنسان إنسانًا بحق. وتكون المتعة التي يحصل عليها متعة حقة.

اللذات المباشرة ليست أشياء سيئة ولا أشياء تافهة، لا أحد يكره أن يمتلك مالًا كثيرًا، أو أصدقاء كثر، أو علاقة عاطفية مشبعة، أو طبقًا رائعًا من الطعام، وإلا لم تكن ستمتعنا وتؤنسنا في أغلب الأوقات، لكن المتعة فيها لن تكون ذات قيمة بدون اكتمالنا الداخلي وانتصارنا لأنفسنا، وبدون صبرنا وإخلاصنا للحصول عليها بشرف، وأن نكون نحن المالكين لها والمتحكمين فيها وليست هي المتحكمة فينا والتي تملي علينا أفعالنا.

ثالثًا: لماذا الزواج ولا شيء غيره؟

أريد أن أخلُص من كل هذا الكلام الطويل عن وحدة الإنسان ومتعته بشكل عام، إلى موضوع العلاقات الجنسية بشكل خاص.

الكلاسيكية الدينية تخبرنا أن العلاقات الجنسية خارج الزواج محرمة، وتقاليد المجتمع تخبرنا بالشيء ذاته، وخوفنا الذي من كثرة ما غرس فينا أصبح أقرب للغريزة داخلنا من الاقتراب من الجنس، هذا الخوف الذي يصنع أزمة جيلنا مزدوج الشخصية، يخبرنا أيضًا بالشيء ذاته.

فما الحق في كل ذلك؟

كلمة “الزواج” أصبحت داخل أوساط كثيرة، كلمة سيئة السمعة، فهي لا تعني علاقة جميلة تجمع فردين، بل تعني قفصًا كبيرًا، يسجن الرجل داخله المرأة بتحكماته وقهره لها وممارسة رجولته عليها، وتسجن المرأة الرجل داخله بتحميلها إياه العديد من المسؤوليات والمآسي الذي لا يطيقها. وكثير من الشباب، حتى إن لم يجاهروا بأفكارهم علانية، إلا أنهم يمقتون منظومة الزواج، مما يدفعهم أحيانًا لمقت الأديان واعتبار أنها صنعت لتعذيب الإنسان وتقييده، وتقييد المرأة خاصة لصالح الرجل، ويتساءلون: ما المشكلة في أن نحظى بعلاقات بعيدًا عن الزواج الذي لا يفيد؟ ما الضرر في ذلك؟ ولماذا نلتزم بهذا الهراء المجتمعي؟ أو مثلًا، لماذا علي أن أتقيد بزواج مع شخص ما دون أن أعرف أولًا أنه يناسبني؟ وكيف أعرف دون أن أجرب؟ وأن يكون لدي أكثر من تجربة؟

هذا الكلام قد يكون صادمًا للبعض، لكنه حقيقي، ومكبوت داخل عقولنا كلنا، بدرجات مختلفة ومتفاوتة، ونحن لا نناقشه أبدًا، بل نلف وندور حول المشكلة، التي تتفاقم كل يوم دون أن تحل. وتضيع حياتنا وعمرنا داخلها. خاصة مع تزايد تعقيدات الزواج في مجتمعنا وجعله شيئًا مقيتًا ومنفرًا.

سأعود للمقال السابق، حيث سألت نفسي: ما هو الله؟

فأجبت أنه الحقيقة القصوى. وأضيف هنا أنها الحقيقة التي نتجرد ونتجرد ونتجرد من ظلام وعماء أنفسنا لندركها، الحقيقة التي نراها حين ننتصر لإنسانيتنا ولا نترك حاجاتنا تحركنا وحدها. وهذه الحقيقة تمامًا، حين ندركها، فإننا سنقدر على الإجابة عن الأسئلة السابقة.

وسندرك حاجتنا الفطرية كبشر للحب والعطاء المتبادل، وحاجتنا كنساء للرجال وحاجتنا كرجال للنساء. وهذا الاحتياج القوي إن طبقنا عليه ما سبق سرده في موضوع الإنسان ووحدته وألمه، فيمكننا أن نستنبط، بالحدس، أن الزواج هنا هو المتعة الحقة في مقابل المتعة المزيفة التي من الممكن أن نحصل عليها في علاقة أخرى. حسنًا، أعرف أن “المتعة الحقة” و”المتعة المزيفة” هما في حد ذاتيها كلمات سيئة السمعة استخدمت من قبل أناس يحرمون الحياة والحب والجنس وكل ما هو جميل ورائع في الحياة، ويفرضون ويملون أوامر ونواهي غريبة وصارمة وربما ظالمة، لكني، لا أجد تعبيرات مختلفة وأفضل سمعة عن هذه التعابير لاستخدامها لوصف فكرتي وشرحها.

لكني أريد القول، إن هناك شعرة – شعرة رفيعة – بين المتعة الحقيقية المتبادلة التي تنير أرواحنا وقلوبنا وتسعد حياتنا، وبين الانغماس في سد الرغبات والشهوات بشكل يطمس إنسانيتنا داخله، ويحولنا لكائنات استهلاكية تمامًا، لا تنتج ولا تعرف الحب والعطاء.

داخل الزواج، من المفترض، أن الإنسان لا يكون إنسانًا استهلاكيًّا يسعى لسد رغبته فحسب، بل إنه يقدم الكثير مقابل الحصول على المتعة والائتناس، فهناك “شروط” للزواج يلزم بتحقيقها، وهناك “واجبات” عليه بذل الجهد من أجلها، وهناك رغبة صادقة في داخله، أن يمنح شريكه الحب والمتعة كما يحصل عليها، وهو مسؤول عن إسعاده وراحته وتحقيق رغباته، إذن فإن هناك عطاءً متبادلًا، وفيما أعتقد، إن طبق الزواج بإخلاص حقيقي، ونية صادقة، ووعي ونضج عاطفي، فسيكون من أعظم ما يمكن أن يقوم به الإنسان، وسيحمل أسمى المعاني والقيم.

وقد نسأل: ألا يمكننا أن نحقق كل ذلك في علاقة عادية دون الاضطرار لموضوع الزواج بالتحديد؟ ولماذا الزواج مرتبط بالدين؟

هذه أسئلة قد يختلف الناس حولها، كل حسب نمط تفكيره وميوله، لكني أنا شخصيًّا كإيثار سأجاوب بأن الزواج جزء من الدين، جزء من الولاء لله/ للحقيقة القصوى بداخلك، وأنت تجاهد نفسك من أجل ألا تحيد عن طريق هذه الحقيقة التي أنت مؤمن بها. الزواج القائم على الإخلاص وليس لمصالح مادية، ولا يستهلك فيه أحد الطرفين الآخر دون وجه حق، الزواج القائم على الحب والاحترام المتبادل، هو في حد ذاته عبادة وتقرب إلى الله.

رابعًا: هيا نسأل

ليلة يوليو الماضي، كانت ذات أثر عميق في روحي وعقلي، لكن رغم انبعاث كل هذه المعاني والقيم من داخل أعماقي عن الحب والزواج والله والجسد والروح، المعاني القوية جدًّا التي تجعل قلبي ينبض بحب كبير وشغف بهذه الحياة، ما زلت حين أصطدم بصخرة الواقع أجد الكثير من الأسئلة المحيرة لعقلي في انتظار الإجابة، أسئلة مثل: كيف لنا أن ننتصر للحب ونحققه بالشكل الذي سبق سرده في ظل ضغوط الحياة والمجتمع والإرث الثقافي المليء بكل ما هو قاتل للحب؟

وسؤال آخر مثل: ما مدى توافق فكرتي عن الزواج وارتباطه بعلاقتنا بالله مع الخطاب الديني الذي يتناول الزواج؟ وبالكلاسيكيات الدينية المشهورة مثل: تعدد الزوجات، القوامة، قوانين الزواج والطلاق، وضع كل من الرجل والمرأة داخل منظومة الزواج … إلى آخره.

إذا أخذنا قضية التعدد على سبيل المثال، وقارناها بما أتحدث عنه من قيم للزواج والحب، فمن الممكن أن نرى ببساطة أن قضية التعدد على النقيض تمامًا من فكرتي، فأنا أتحدث عن عدم الانغماس الغاشم في الشهوة، بينما التعدد كأنما يقول للرجال تحديدًا أن أطلقوا شهواتكم على مصراعيها.

هل هذا يعني أن الأديان السماوية بتشريعاتها هي ضد فكرتي الرومانسية عن الزواج؟ وأنني أتكلم عن دين آخر (ليس موجودًا في الوجود)؟ أم يعني أنني – وأن كثيرًا من الناس – فهمنا الأديان بشكل خاطئ ومجحف وعلينا أن نعيد فهمها من جديد بعقول وقلوب أكثر انفتاحًا؟ فنرى حكمة ما منها، ونرى جمالًا فيها من الممكن أن قبحًا ما بعيوننا لا يمكننا من رؤيته.

أنا لا أتحيز لأي إجابة من هاتين الإجابتين، أنا شخصيًّا أميل في كثير من الأوقات لإيجاد حكمة ما في التعدد وفي كثير من القضايا الأخرى، وفي وقت آخر لا أستطيع أن أجدها إطلاقًا. وما زلت أبحث عن الإجابة، ويتخبط عقلي في الفرضيات والإجابات والأسئلة، وهذا لأن هذه طبيعة العقل وسجيته، وهو لا يقبل إلا بالدليل والبرهان والحجة المعقولة.

عكس القلب، الذي من الممكن أن يميل لشيء ما وفكرة ما دون أن يحتاج للبراهين.

ولكن، إن كان هناك ما هو مشترك بين عقل وقلب الإنسان، فهو تجربة الإنسان، وإنسانيته نفسها، التي هي الصوت المنبعث من داخله، الذي يرشد عقله وقلبه في آن واحد، وهذا الصوت هو في وجهة نظري حجة قوية لـ”العقل” وشيء يستحق الإيمان والتصديق من “القلب”.

والصوت المنبعث من داخلي هو الذي جعلني أكتب هذا المقال، وأعرضه ما فيه على القراء، هذا الصوت، الذي ينبهني كلما ضعفت، وسلمت روحي لشياطين الوحدة الوسواسة، واستسلمت للحياة كما هي بسطحيتها دون أن أفتش عن الحب المختبئ داخلها، يخبرني: لا يا إيثار، لا، أنتِ تستحقين كل الحب والحياة، لا تسلمي روحك للشيطان والوحدة، الحب والحياة والمعرفة هناك، في آخر الطريق، ينتظرونك. ذهنك هذا، سيشع بالنور والمعرفة يومًا ما، كما سيشع قلبك بنور الحب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست