قصة أصحاب الأخدود من منا لا يعلمها؟ تلك القصة القرآنية التي تُعلمنا كيف يكون الإأيمان بالله والصدح بالحق في وقت الشدائد، كيف يكون الثبات وقت الضعف قوة، فهناك لحظات فارقة أما الكفر أو الأيمان لا مجال للوسطية.

لو فكر الغلام وأصحاب الأخدود وهم الأكثر أيمانا منا آلاف المرات بنفس طريقة تفكيرنا هل كانوا أقدموا بالثبات عن إيمانهم؟

ألم يكونوا أكثر منا ضعفا؟ ألم يتعرضوا للتنكيل أكثر منا؟ ألم ينخلع قلب المرأة على رضيعها المتعلق بصدرها فينطقه الله ليثبتها أكثر فيقول لها: "اثبتي فأنتِ على الحق".

ألم يكن أولى بتلك المرأة على ضعفها وقلة حيلتها وهوانها أن تتراجع عن الاعتراف بأيمانها، وتختبئ بطفلها لتربية وتعده ليصير قائد ينصر الدين.

فهل بثباتها عصت أمر ربها وألقت بنفسها وطفلها في التهلكة؟

هل بموت الغلام أنتصر الكفر على الإيمان؟

هل ثبات الراهب أضر بالدين؟

الإجابة على كل الأسئلة: لا.

من قال إن الموت ثباتا على المبدأ يعني إلقاء أنفسنا إلى التهلكة، هل تعتقدون أن تراجع هؤلاء وباقي أصحاب الأخدود عن ثباتهم ليختبئوا بدينهم عن الأعين بحجة تربية جيل التمكين، ماذا كانت ستكون النتيجة؟

لا شيء سوى جيل يركن لجحور أهلة يخشى أن يصدح بالحق متحججا بالحفاظ على النفس والعرض واستقرار البلاد، جبن سيتوارثه الأجيال، وحجج تخلق حجج حتى نصل لجيل منبطح يبيع كل شيء من أجل الحياة وله حياة مكبلة بالذل.

تُعلمنا تلك القصة أن الخسارة الحقيقية ليست في موت الداعية، وإزهاق الظالمين لنفوس المؤمنين، وإنما الخسارة أن ترتد عن دينك، وأن تنكص على عقبيك، وأن تتخلى عن مبادئك، أو تتنازل عن الحق، أو تهادن الباطل.

الانتصار ليس في سلامة الأبدان، وصيانة الأموال، وإنما هو أن تعيش إن عشت على الإيمان، وتثبت عند الموت على المبدأ، وأن يؤمن الناس بدعوتك حتى وإن كان سبيل موتك.

لقد مات الغلام ولكن آمن القوم، وقتل القوم وحرقوا ولكن كانوا ثابتين على إيمانهم فأنتصر الدين وهزم الكفر.

وهنا أوجه سؤالي لكل من يثبطون من هممنا مستخدمين آيات الله بغير حقها:

"ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" بارك الله فيكم ولكن لما لا تأتوا لنا بأول الآية وسبب ذكرها "وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"

فقد روى الترمذي عن ابن عمران التجيبي قال: كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفا عظيماً من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر... فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة؟ فقام أبو أيوب فقال: يا أيها الناس إنكم لتتأولون هذه الآية هذا التأويل! وإنما أنزلت هذ الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها... فأنزل الله تعالى على نبيه يرد علينا ما قلنا: وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ... الآية. وكانت التهلكة الإقامة على الأموال وتركنا الغزو.

أما الآية الأخرى "وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ".

أن نعد لهم، ولكن كيف نعد؟... وماذا تعني ما استطعتم... وكم من وجهت نظر من يواجهوننا بتلك الآية سنظل نعد؟

ألم تمر 4 سنوات حتى الآن فماذا أعددنا خلالهم؟ وكم 4 سنوات أخرى تلزمنا حتى يكتمل الإعداد والعتاد؟

لا إجابات. أن الله امرنا أن نعد قدر المتاح لنا وأن نترك لله النتائج.

فهل المطلوب منا أن نملك ما تملكه السلطة من سلاح كي نكون أعددنا العدة؟ لا فنحن أحرص على البلاد والعباد منهم إن ما يلزمنا من إعداد هو أن نملك ما يملكون من تنظيم وأليات واستراتيجية على الأرض، هذا ما ينقصنا فخلال أربعة سنين عجاف تظهر لنا كل فترة كيانات جديدة بأسماء ووجوه جديدة أو متكررة ليبرالية تارة وإسلامية تارةٍ أخرى، ولكن للأسف تتبنى نفس التحركات وتقع في نفس الأخطاء، لا تقدم جديد لأنها لا تملك استراتيجية التحرك على الأرض.

فالانقلاب يا سادة لن يهزم إلا إذا ابتلعته أرض مصر، فثورة الأرض هي من ستجبر الغرب عن التخلي عن نظام الانقلاب وقائده.

لذا فطوال تلك السنوات لم تتقدم ثورتنا خطوة كل ما يحدث أننا نقدم كل يوم شهداء ومعتقلين ومطاردين بلا ثمن، لآننا لا نطبق ديننا جيدا فهو الذي يحثنا على العمل على الأرض وترك النظرية (واعدوا لهم عمل) (ما استطعتم قدرة)

(من قوة عمل وحركة) نظرية إسلامية بحتة طبقها المسلمين عبر تاريخهم بدايتا:

- من بدر (300 مقابل 1000)

- ومرورا بمؤته (3000 مقابل 100000)

- ملاذكرد (عشرين ألف بقيادة ألب أرسلان ضد جيشًا ضخمًا يتكون من مائتي ألف مقاتل من الروم والروس والكرج والأرمن والخزر والفرنجة والبلغاريين).
كان الإعداد قدر الاستطاعة، فكان النصر قدر ما عملوا وليس قدر ما يملكون، يجب أن نتعلم من الدين والتاريخ كي نستطيع التحرك.

إنه وقت ظهور حركات وكيانات فاعلة تتجنب أخطاء الماضي وتبتعد عن التنظير والمبادرات العقيمة، وتتبنى استراتيجيات على الأرض ومنهجية للثورة، وتتقن كيفية أدارة الحراك على الأرض وتوظيفه، وأن يكون لديها خطة للتحرك وخطط بديلة، ان تبتعد عن العشوائية في التصرف والتحرك، أن تكون فاعله لا مفعول بها، فالفكر السليم المنظم يفرض على الناس اعتناقه، وحينها لن يقف أمام طوفان العامة طغيان طاغٍ أو ظلم ظالم، ستكون تلك الحركات بهذه السياسة هي غلامنا الجديد الذي سيجبر الناس على أن يؤمنوا بمبدئه وينتصروا لدينهم ووطنهم.

وقتها سنصبح جميعا "أحرار بلا قيود" حتى لا نلقى جميعا في الأخدود.