ترك الرحيل المفاجئ لرئيس مجمع تشخيص المصلحة في الجمهورية الاسلامية الايرانية آية الله الشيخ هاشمي رفسنجاني علامات استفهام كبيرة حول مستقبل الاوضاع في ايران وعلى صعيد العلاقات الايرانية-العربية ومستقبل التيار الاصلاحي في ايران والذي كان الشيخ رفسنجاني احد ابرز رموزه ورعاته.

فرفسنجاني والذي لعب دورا كبيرا في المشهد السياسي الايراني الداخلي وعلى صعيد دور ايران الخارجي، كان وحتى فترة قليلة ينشط في العديد من المواقع السياسية وكان يمتلك حيوية كبيرة في الحراك السياسي والفكري، وكان دائما يطلق مواقف جديدة ومثيرة للنقاش والاهتمام، وقد ترك خبر رحيله المفاجئ بنوبة قلبية اسئلة كثيرة لدى محبيه ومؤيديه وكذلك لدى الذين كان يختلف معهم في المواقف السياسية وخصوصا في الداخل الايراني.

لكن الملفت كان مسارعة قائد الجمهورية الاسلامية في ايران السيد علي خامنئي وامين عام حزب الله في لبنان السيد حسن نصر الله الى اصدار بيانات نعي طويلة للراحل وتميزت بالاشادة الاستثنائية وغير العادية بدور الشيخ رفسنجاني، إن على مستوى دوره في الثورة وبناء الدولة او لجهة دعم قوى المقاومة في لبنان والمنطقة.

وهذه السرعة في النعي والاشادة بالراحل كانت تهدف للتأكيد على ان رفسنجاني كان من ضمن الشخصيات المؤسسة للجمهورية الاسلامية والتي حافظت على ثوابتها ودورها رغم انه كان يعتبر من رعاة التيار الاصلاحي في ايران ورغم المواقف والآراء المختلفة التي كان يصدرها والتي تختلف او تتناقض احيانا مع مواقف التيار المحافظ وبعض الشخصيات القيادية في الجمهورية الاسلامية.

وشخصية رفسنجاني تحتاج لكتب وابحاث مطولة للاطلالة عليها وعلى دورها في ايران والعالم العربي والاسلامي، إن في مرحلة الثورة الايرانية او قبل انتصار الثورة، او في مرحلة ما بعد الانتصار وقيام الدولة وحتى وفاته، لكن هناك عدة نقاط تميزت به شخصيته ينبغي التوقف عندها ومن خلالها الاطلالة على مستقبل ايران بعد رحيله.

النقطة الاولى كانت تميز الشيخ رفسنجاني بالجرأة الكبيرة في طرح الآراء والافكار الجديدة سواء فيما يتعلق بالوضع الايراني الداخلي او على الصعيد الفقهي والسياسي والفكري والاجتماعي، وكانت مواقفه وآراؤه تتعرض للنقد ولحجم كبير من ردود الفعل داخل ايران.

النقطة الثانية حمله مشروع التقارب بين ايران والعالم العربي وكذلك حماية الوحدة الاسلامية والدفاع عنها وتقديم آراء نقدية ضد المغالين الشيعة وفي مواجهة التطرف، وكان رفسنجاني مهندس ترتيب العلاقات الايجابية بين ايران والمملكة العربية السعودية بعد فترة توتر شهدتها العلاقات بين البلدين في مرحلة الثمانينيات من القرن الماضي وتابع هذه المهمة الرئيس محمد خاتمي الذي يعتبر من ابرز حلفاء رفسنجاني والرئيس حسن روحاني، وكان يعول كثيرا على الدور الذي يمكن ان يلعبه رفسنجاني لاعادة ترتيب هذه العلاقة مجددا.

النقطة الثالث دور رفسنجاني في اعادة بناء ايران بعد الحرب العراقية-الايرانية ودعوته المتكررة لترتيب علاقات ايران مع الغرب وخصوصا مع اميركا وقيادته للتيار الاصلاحي المعتدل في ايران، كل ذلك جعله احدى ابرز الشخصيات التي تلعب دورا مهما في ايجاد التوازن بين مختلف الاتجاهات الايرانية وامكانية ان يكون الخليفة المنتظر للسيد خامنيء بعد رحيله في ظل المعلومات عن الوضع الصحي الخاص للاخير.

من اجل كل ذلك فان رحيل رفسنجاني المفاجئ سيترك فراغا كبيرا في المشهد السياسي الايراني الداخلي واسئلة كبيرة حول دور التيار الاصلاحي وعلاقات ايران بالعالم العربي، وان كان استقرار ايران السياسي ووجود مؤسسات منتظمة وقوية قد يساهم في معالجة هذا الفراغ، ولعل مسارعة السيد خامنئي لنعيه والاشادة بدوره وعلاقته الشخصة به قد يكون احد اهدافه السعي لاستيعاب التيار الاصلاحي والتأكيد على امساكه القوي بالوضع الداخلي لايران.

وبانتظار تبلور صورة الوضع الايراني المستقبلي على ضوء الفراغ الذي سيتركه رفسنجاني فان هذه الشخصية المميزة في تاريخ ايران والعالم العربي والاسلامي ستكون محور نقاش وبحث لكل المهتمين بالتجربة الايرانية او الساعين لدراسة تجربة الاسلام السياسي في مرحلة ما بعد الثورة الاسلامية في ايران.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"