مثل أي حركة اجتماعية، نجد أن نجاح الإسلام السياسي لا شك سيتطلب أن ينمو على مستوى القاعدة الشعبية، كما أنه لن يكون في حاجة للتعبير عن الاهتمامات الحقيقية لعموم الناس ومعالجتها فقط، ولكن سيكون عليه أيضا أن يعكس فهمهم للإسلام وتفسيرهم له، وعلاقتهم به. مما يعني أن القيادة الاسلامية سيكون حتما عليها أن تتعلم أن تقدم وعظا أقل واستماعا أكثر.

ولكن لدينا هنا مشكلة!

أموال الخليج خلقت فئة ممن يمتهنون الإسلام السياسي، وهم أناس يتكسبون عيشهم عبر تعزيز نسخة من الإسلام تناسب فكر ومصالح شيوخ الخليج الأغنياء، حتى وإن لم يلتزم هذا الفكر بآراء الجماهير. بيانات الاقتراعات الكثيرة والعريضة تنقل لنا أرقاما تؤكد أن غالبية المسلمين يرغبون ويدعمون أن تكون الشريعة هي قانون الأرض والعباد. ومعظم المسلمين يرغبون في رؤية حكوماتهم ملتزمة بتعاليم الإسلام أكثر مما هي عليه. ولكن في الوقت نفسه، فإن معظم الأحزاب الإسلامية تفقد جاذبيتها أمام عامة الناس، الذين يميلون لرؤيتهم إما كمتطرفين جدا أو كمتذللين ومتنازلين بإفراط، حتى أن الإسلاميين صاروا منفصلين بصورة متزايدة عن الناس الذين يشكلون في النهاية جماهير ناخبيهم، وأعتقد أن السبب الرئيسي لهذا هو أنهم لم يعودوا في حاجة للاعتماد عليهم من أجل تحصيل ما يضمن لهم رزقهم.

وبدلا من ذلك، فإن المنظمات الإسلامية والأفراد يعتمدون على رعاية أثرياء المملكة العربية السعودية وقطر والكويت والإمارات العربية المتحدة. فقد أصبحت دول مجلس التعاون الخليجي عبارة عن أجهزة صراف آلي عملاقة مخصصة لهم، وأصبح من الأسهل عليهم بكثير أن يذهبوا إلى الخليج للحصول على صدقة تأتيهم في شكل "رزم" ضخمة من النقود، بدلا من جمع بضعة جنيهات من هنا وهناك من أفراد المجتمع الإسلامي الذي أصبحوا فقراء في العموم. ولكن هذا يؤثر على خطاب الإسلام السياسي كله، وهذا الخطاب بدوره يؤثر على صدى مفهوم الإسلام السياسي في المجتمع المسلم، أو ببساطة ينفرهم منه.

الإسلام السياسي أصبح مثل البروباغاندا بدلا من أن يكون حركة اجتماعية، وهذا الرؤية لم يتم فرضها من القاعدة الشعبية، ولكن من قصور ومنتجعات دول الخليج. فلم يعد الإسلام السياسي "الخاص بالشعوب"، ولكنه أصبح إسلام "النخب". وانعكس هذا على عدم عملية خطابه، وطوبويته وضيق أفقه واستبداده. فقد أصبح يعكس رؤية لأناس يعيشون في فقاعة من الامتيازات النسبية... فأصبح مناهضا للديمقراطية، وموالي للرأسمالية، ومتعصب، وجاهل بشكل مذهل حول الديناميات الحقيقية للجغرافيا السياسية والاقتصاد والشؤون الدولية بشكل عام. جدير بالذكر أن هذه الرؤية لا تطبق أبدا حتى على دول الخليج نفسها.

إلى حد ما، يمكننا أن نفترض أن رعاة الإسلام السياسي الخليجيين تحركهم بصدق الأيديولوجية، فهم يؤمنون حقا بتفسيرهم للدين، ويعتقدون حقا أن جموع المسلمين في ضلال بدرجة أو أخرى، ولهذا فهم يستخدمون ثرواتهم في محاولة لتطهيرنا من سوء فهمنا للدين. معظم المسلمين يؤمنون باتباع نهج الأجيال الثلاثة الأولى من الإسلام، ولكن معظمنا ليسوا "نجديين" ولا "وهابيين" ولا "سلفيين"، أو أيا كان المصطلح الذي يستخدم للتعبير عن التزمت، والتفسير الحرفي للقرآن والسنة. فالاقتداء بالصحابة والسلف يعني أشياء مختلفة لأناس مختلفين. وأنا هنا لا أنتقد منهج السلفية، ولكنه بالتأكيد ليس المنهج الوحيد المقبول. فقد تطور كردّ إصلاحي ضروري لظروف معينة حدثت في وقت محدد ومكان محدد. فـ"الدعوة النجدية" لم تحصد الكثير من الاهتمام في العالم الإسلامي الأوسع لأكثر من 100 سنة، أي بشكل أساسي، ليس قبل أن تبدأ الثروة النفطية في المنطقة في التدفق. وطوال الجزء الأكبر من حياتي، تم ربط السلفيين بالرأي القائل بأن المسلمين لا ينبغي أن يقحموا أنفسهم في السياسة. فكان السلفيون هم الذين يركزون على طول اللحية والسراويل، ويعتقدون أن سيد قطب فاسق.

واليوم نجد أن معظم المنظمات الإسلامية في العالم، من الإغاثة الإنسانية إلى المدارس، ومن القنوات الفضائية إلى مواقع الإنترنت، تعتمد على أموال الخليج العربي. وطبعا نفس الشيء بالنسبة للأحزاب الإسلامية بكل أطيافها، بدءا من الإخوان إلى الجهاديين، فكلهم يتوجهون إلى دول مجلس التعاون الخليجي لتأمين الشق الأكبر من ميزانيتهم، وطبيعي أن هذه التبعية جاءت مصاحبة وملازمة للتحجر الفكري، إن لم يكن التحجر المطلق.

سيكون لدينا كل العذر لو شككنا أن الخليج لم يقرر البدء في تمويل الإسلاموية والإسلام السياسي إلا من أجل السيطرة عليه وتقويضه. ولكن أيا كان الحال، فالخليج في وضع يمكنه من الهيمنة على خطاب الإسلام السياسي اليوم، وإن لم نبدأ في بناء حركة إسلامية شعبية على مستوى القاعدة، فأخشى أن مشروع الإسلاميين بأكمله سيصبح عما قريب غير ذا صلة بحياة معظم المسلمين.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"