ما فعله الإعلامى أحمد موسى «عميد مندوبى وزارة الداخلية فى الصحافة المصرية»، بإذاعته اتصالات هاتفية خاصة وعامة للدكتور محمد البرادعى نائب رئيس الجمهورية المستقيل والحاصل على جائزة نوبل للسلام، والفائز بفترة رئاسة ثانية للوكالة الدولية للطاقة الذرية، هى «جريمة أمن دولة» أو أمن قومى مكتملة الأركان. فالسيد موسى والذين معه والذين وراءه تنصتوا وسجلوا محادثة هاتفية بين البرادعى ورئيس أركان القوات المسلحة الأسبق، الفريق سامى عنان، أثناء وجوده فى الخدمة، وهو ما يعنى أنهم ارتكبوا جريمة «التجسس على اتصالات عسكرية» بشكل أو بآخر، ثم جاء موسى ليذيع هذه التسجيلات فيفشى اتصالات خاصة بالرجل الثانى فى القوات المسلحة دون تصريح أو إذن فى حدود علمنا.


لذلك لا يمكن السكوت عن هذه الجريمة لمجرد أن الطرف الثانى فى المحادثة كان محمد البرادعى المغضوب عليه من الميليشيات السياسية والإعلامية الموالية للسلطة، بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع مواقف وآراء الرجل الذى اختار الخروج من مصر فى أصعب أوقاتها.


عدم تحرك سلطات الادعاء المدنى أو العسكرى ضد من تنصت وسجل وأذاع اتصالات هاتفية لرئيس أركان القوات المسلحة، رسالة شديدة السلبية تقول إن كل شىء فى مصر يمكن أن يكون مستباحا، وأنه لا توجد خطوط حمراء بما فى ذلك أسرار الدولة العليا، مادام من ينتهك أسرار الدولة ويتجاوز تلك الخطوط موالٍ للسلطة ويهاجم معارضيها وخصومها.


بالتأكيد تسريب مكالمة البرادعى وعنان ليس الجريمة الوحيدة التى ارتكبها أحمد موسى، وقناة صدى البلد المملوكة لرجل الأعمال «الحاج محمد أبو العينين»، وإن كانت أخطرها وأشدها تهديدا للأمن القومى المصرى، وإنما كل ما أذاعه موسى من تسجيلات لمكالمات هاتفية خاصة للبرادعى هى جرائم مكتملة الأركان بنصوص القانون والدستور.


للأسف الشديد، ما وصلنا إليه من استباحة ليس فقط لأسرار الحياة الخاصة، للمواطنين، وإنما أيضا لاتصالات ومحادثات كبار المسئولين وتسجيلها ونشرها على الملأ لمجرد النكاية فى أحد خصوم النظام.


فعندما يصبح أول من تجسس على مكالمات المصريين وسجلها وبثها على شاشات التليفزيون نائبا فى البرلمان، سيكون من الطبيعى أن يأتى من يستبيح مكالمات واتصالات تخضع للحماية القانونية المزدوجة، مرة باعتبارها اتصالات خاصة، ومرة باعتبار أحد طرفيها الرجل الثانى فى المؤسسة العسكرية فى ذلك الوقت.


وكما ذكر الأستاذ عماد الدين حسين فى عموده اليومى المنشور أمس فى «الشروق» فإن جريمة التنصت على الاتصالات الهاتفية ونشرها هى ضربة قوية لمحاولات استعادة ثقة المستثمرين والعالم فى وجود «دولة قانون»، أو «دولة مؤسسات»، فى مصر يمكن لهم الاستثمار فيها. فعندما لا يكون الإنسان آمنا على خصوصيته التى تحميها نصوص القانون والدستور، وعندما يتباهى «المسربون بتسريباتهم» وعندما نجد أن الأجهزة المعنية بالتصدى لهذه الجريمة قد «عملت نفسها من بنها»، فقل على أحلام الرخاء والازدهار فى مصر السلام.


أخيرا، ولحسن الحظ فالوقت لم يفت بعد، والفرصة لاتزال قائمة أمام أولى الأمر فى مصر لكى يثبتوا للشعب وللعالم أن فى مصر سلطة تحترم دستورها وقانونها، وأنه لا أحد فوق المحاسبة كما يقول الرئيس عبدالفتاح السيسى دائما، حتى لو كان المخطئ هو «عميد مندوبى وزارة الداخلية فى الصحافة المصرية». فإذا لم تتحرك السلطة ضد هذه التسريبات ومَنْ وراءها، فسنكون أمام «جريمة دولة» وليس فقط «جريمة أمن دولة».