لم تكن العنصرية والشوفينية غريبة ولا بعيدة عن المشهد الأوروبي، سيحضر هنا الشاعر الإنجليزي كيبلينغ في مقولته الشهيرة: «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا».

كل قصص الصراعات العنصرية مرّت بمخلفات الحروب الصليبية تارة، وبالفتوحيات الإسلامية والحروب العثمانية تارة أخرى، ولطالما أحيل الرأي العام الأوروبي إلى تلك الحقب العاصفة من التاريخ بين العرب، والغرب.

حالة ألمانيا مثلًا تجسّد الصعود المضطرد للتيارات اليمينية، والشعبوية، والعنصرية المتطرفة، وخاصة مع سطوع نجم داعش، واحتلالها قرابة نصف مساحة العراق، وأغلب مساحة سوريا، وما رافقها من عمليات إرهابية وحشية ضربت أوروبا.

لم تكن ألمانيا في حاجة إلى أن تضرب داعش في عمق مدنها ومقاطعاتها؛ لكي يلتقط اليمين المتطرف الفتيل فيشعل الإسلاموفوبيا إلى أقصاها؛ لأنه كان أصلًا قد أوصل الأمور إلى نقطة اللاعودة منذ زمن، فيما حركة بيغيدا تواصل انتشارها في كل المقاطعات الألمانية، والعديد من المدن الأوروبية.

تحوّلت المستشارة الألمانية السيدة أنجيلا ميركل إلى صورة نمطية للمرأة المبرقعة بالحجاب التي تفتح الأبواب لذوي الملامح الشرق أوسطية والشمال إفريقية لكي يأخذوا مواضعهم حيث شاؤوا، محتلّين بيوت الألمان، هذا ما تشيعه بيغيدا وهي تنتج مزيدًا من الرسوم الساخرة ضد ميركل وحكومتها؛ بسبب تدفق اللاجئين السوريين الهاربين من مآسي الحرب.

«أوروبيون وطنيون ضد أسلمة الغرب» سوف تتحول إلى أكثر من شعار، وإلى أكثر من حركة عابرة، وإنما ستكون أداة استقطاب سياسي شعبوي يزيده سعارًا ما جرى في العديد من المدن الألمانية من هجمات إرهابية.

قبل ذلك، وفي إطار الاختلاف الاجتماعي والقيمي، كانت هنالك قصص تعدد الزوجات، وجرائم الشرف، وضرب النساء، والحجاب، والنقاب رؤوس موضوعات أساسية في أوساط الرأي العام المناهض للمسلمين.

في الوقت الذي تنادي فيه المستشارة الألمانية بأن الإسلام جزء أساسي من الحياة في المجتمع الألماني، تتدفق إلى المكتبات كتب تسير بعكس هذا التيار، ومنها مثلًا كتب الباحث الألماني الشهير «أودو أوليفكوته» صاحب كتب:

«أنبياء الإرهاب، الشبكة السرية للإسلاميين»، و«الحرب في مدننا، كيف ينتشر الإسلاميون المتطرفون»، و«الجهاد في أوروبا»، وغيرها من الكتب التي تنذر بشر مستطير بانتظار ألمانيا والغرب من جراء وجود المسلمين على أراضيها.

لا شك أن مجرد طرح إشكالية الإسلاموفوبيا سيطرح بالمقابل السؤال بصدد التعددية الثقافية والعرقية التي تعدها أوروبا والاتحاد الأوروبي إحدى أهم مقوماتها، فكيف وقد صار اليمين الشعبوي من طينة حركة بيغيدا بالمناداة بوقف التعددية الثقافية، وأن الوطن هو ألمانيا فقط بثقافتها المسيحية/ اليهودية هو الذي يقود تظاهرات عارمة؟

ستكون مجتمعات أوروبا بشكل عام، وألمانيا خاصة أسيرة تعقيدات اجتماعية بنيوية خطيرة، من جراء ما ستبنى عليه فكرة الأحادية العرقية التي هي أقرب إلى الشوفينية منها إلى أي بعد آخر، وذلك ما يشير إليه البروفيسور عاطف بطرس من جامعة ماربورغ في ألمانيا، في بحثه عن «تحالف الرعب بين الإسلاموفوبيا والإسلاموية»، حيث يرى أن كلا التيارين يدعم بعضه بعضًا، ويعرّضان السلم الاهلي للخطر في العالم الإسلامي، كما في الغرب.

في المقابل ستجد بعض حركات الإسلاموفوبيا خطًّا بديلًا في محاولة للنأي بنفسها عن تهمة العنصرية، والشوفينية، بدعوى أنها ليست من تيار الإسلاموفوبيا، وإنما يكمن عداؤها للتيار الأكثر تطرفًا في المجتمعات الإسلامية، ومنها مثلًا ظهور حركة «هوليغانز ضد السلفيين»، ومعلوم أن الهوليغانز هم ثلة من مثيري الشغب في الملاعب باستخدام العنف، وها هي الحركة تطوّر أدواتها باتجاه نوع مبتكر من الإسلاموفوبيا.

لعلّ الإشكالية تتشعّب في ما يتعلق بالإسلاموفوبيا في نسختها الأوروبية، وفي ألمانيا تحديدًا، ولكن في كل الأحوال هنالك مفترق طرق حاسم ينتظر الجميع، إذا ما استمر العنف والوحشية التي تُرتكب بشعارات إسلامية، في مقابل تصاعد حركات الإسلاموفوبيا.