إننا أصبحنا نسبح في بحر هائج من الأمواج التي ترطم أجسادنا بالماء وربما تقذفنا إلى الصخور، ولا نعلم نهاية لهذا البحر العميق، وتلك الأمواج الطائشة التي تحيط بنا،  فالجميـــع يجري وراء الشهوات والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، ولم يعد هناك شخص مقتنع بما في يده، فالمرتشي لم يكتفِ بما أخذه من مال حرام فهو يبحث عن الزيادة، وتاجر الحشيش والسلاح لا يهمه مصدر ماله فالمهم هو الربح.

ولا يختلف الحال بالنسبة للممثل والإعلامي فبعضهم لا يهمه الفائدة من عمله فالمهم العقد والعائد من الإعلانات وشركات الرعاية، وهناك جشع التجار الذين يمصون دماء الفقراء من زيادة مصطنعة وليست حقيقية لغياب الدور الرقابي من الدولة والضمير الشخصي لهؤلاء التجار.

وكذلك الحال بالنسبة للمدرس الذي أصبح يهتم بالدروس الخصوصية وليس بالحصة المدرسية والطبيب الذي يتاجر بعلمه وأصبحت مهنة الربح وجراحة تقطيع الناس والغلاء بدل ما تكون مهنة الرحمة ومساعدة المرضى على التخلص من أوجاعهم، فأصبح الآن يتحمل المريض المرض وهم العلاج.

والحال لا يختلف كثيرًا عن الحاكم أصبح يحلم بالكرسي الذي يجلس عليه حتى يموت، وربما يحلم بتوريثه لأحفاده قبل أولاده، فهذا الكرسي أصبح فتنة لمن يجلس عليه، فالحاكم يخاف أن يتركه لغيره، فهو لا يهمه مصلحة البلد أكثر من مصلحتـــه الشخصية، فهو يرى في الكرسي الذي يجلس عليه مصدرًا لا ينضب من الأمن والأمان، فنحن نعيش في دوامة الصراعات الداخلية ونسير نحو خطى القتل والسرقة والرشوة وبدأنا نترك رويدًا رويدًا تعاليم ديننا ونتجه نحو الهاوية.

حتى الجماعات التي تدعي إنها تريد نصرة الدين ما هي إلا جماعات هدفها سياسي وليس إسلاميًّا، وأقحموا الدين في السياسة، وأصبح هناك أحزاب إسلامية سياسية وقد تقدم تنازلات من أجـــل زيادة عــدد المقاعد في مجلس النواب  أو بعض الصفقات المشبوهة.

فنحن حقًا نعيش الآن زمنًا صعبا حيث يواجهنا تحديات كثيرة من فساد حكام ورشوة مسئولين وزنا ودعارة وقتل وسرقة وغيرها من الأمور التي دمرت حياتنا، وجعلت الجميع يبحث ويجرى نحو المصالح الشخصية، فلقد تحول البعض إلى طغاة وجبابرة، والبعض الآخــــر يعتقـد إنهــم ملائكــة وجنــــود الله في الأرض وهــم المسلمون وباقي الشعب من الكفار حتى ولو كانوا من نفس الديانة التي ينتمون لها.

إننا نعيش في ظل فساد طغى على الجميع ودخلت السياسة في قلوبنا قبل عقولنـــا وأصبحت معظم أفعالنا يحكمها المصلحة الشخصية قبل المصلحة العامة، فلو فكرنا قليلًا فيما مضى وفيما يحدث وما سوف يحدث نجد إننا بوصفنا عربًا لم يكن لنا أي دور سوى دور واحد تميزنا بل وتفوقنا فيه وهو الانقسام والتفتت وقتل بعضنا البعض.

فلتفكر عزيزي القارئ معي قليلًا ما هي الدولة العربية التي تنتج وتعتبر دولة منتجة حقًا؟ فلـو بحثت فلن تجـد تلك الدولة، فالحقيقة إننا تعودنا أن نكــــون مستهلكين وليس منتجين، وتعلمنـــا حسب ما أراد الغرب أن يعلمنا  وزرع في نفوسنا فكرة أن نعتمد على غيرنا وليس على أنفسنا ونسير حسب الطريق المرسوم لنا.

فسوف تجد جميع الدول العربية تفككت وانهارت بيد أبنائها، وحدث الكثير من عمليات الاغتيال والقتل بعضها من أجل الكرسي والبعض الآخر من أجل أفكار ليس لها أساس من الصحـة سوى في عقول هؤلاء، فهم يعتنقون عقائد لا نسمع عنها كما حدث مؤخرًا ويحدث دائما وسوف يحــــدث لاحقًا من قتل بحجة نصرة دين الله فهم قاموا بتكفير القتيل من تلقاء أنفسهم وبالتالي في عقيدتهم يجوز قتله.

فهل الدين انحصر في الجلباب والنقاب والبنطلون القصير وبرفان المــرأة والتعصب لعمــــل روايـــة أو فيلم  أو مسلسل،  فأين دور رجــــال الدين حاليًا؟ وأين تأثيرهم؟ فمعظمهم ترك الدين واتجه إلى السياسة ولا تتعجب إذا كان بعض الشيوخ يجمعون بين الوظائف سواء في وظيفته تبع الأوقاف ووظيفته في القنوات الخاصة التي يعملون فيها، وكذلك نجد الصراع بين الفصائل والجماعات الإسلامية من أجل الهيمنة والسيطرة على الحكم وعلى البلد وليس من أجل نصرة الدين، فنصرة الدين تتحقق من أي مكان بعيد عن الكرسي.

(إن الطريق الذي نسير فيه الآن وراء المصالح الشخصية والتفكير في الذات والانجراف وراء الفيس بوك واليوتيوب وفبركة الأخبار والبحث عن الإعلانات والربح وعــدم الاهتمــام بالتعليم وبالمحتــوى الثقافي والبحـــث عن الربح السريع أيًا كان مصدره، ما هو إلا بدايـــة طريق اللاعودة والانهيــــار التـــام فهــو طريق غير نافذ ولن نصل من خلاله إلى بر الأمــــان، فعلينا أن نترك الصراعات بين بعضنـــا وأن نبتعد عن التفكير في المصالح الشخصيـــة ونلتزم ونتبـــع الطريق المستقيم، وأن نتعايش في سلام  وفى أمن وأمان فالدين لله والوطن للجميع، فالفرصة ما زالت متاحة، فإما أن نغير من أسلوب حياتنا وتفكيرنا ونسلك الطريق الصحيح الذي سلكه السلف الصالح ونعمل بكل جهد واجتهاد ونتعاون على البر والتقوى، أو نظل نسير في طريق اللاعودة).