الإحسان، تلك الكلمة الجميلة الموحية، التي ترددت على مسامعنا جميعًا. والتي عرفها رسولنا صلى الله عليه وسلم حيث قال: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وفي مقام آخر يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب عليكم الإحسان في كل شيء».

ولست أعرف لماذا اقتصرت معارفنا الإسلامية والاجتماعية على إحسان العبادات فقط، وإتقانها، وإتمامها، وإهمال جوانب المعاملات، والأعمال، والعلاقات الإنسانية، وكيف اقتصر تفكيرنا على جانب واحد من جوانب الدين والحياة؟

الإتقان

وإذا كان الإتقان هو الإحكام والإجادة، فالإحسان تقدم إلى العافية والكمال. والإحسان هو أعلى درجات جودة الأداء، وهو أعلى وأكمل من الإتقان. ولسنوات طويلة تتردد بداخلي تلك الآية العظيمة من سورة الملك، والتي تسبر أهداف الحياة، والإنسان، والأعمال في كل زمان ومكان «تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا». تجعلك الكلمات المعجزة تقف عندها وتفكر مليًا في معناها العميق. خلقت الدنيا ووهب الإنسان الحياة بكل ما فيها ليمتحننا الله ويختبرنا، ويخرج مكنونات نفوسنا «أيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا».

 الجودة والتطوير

إذًا هناك حسن وأحسن. وفوق كل حسن أحسن، وفوق كل أحسن، أحسن بدرجة أعلى وأكمل هكذا إلى ما لا نهاية. حتى علماء الجودة في العصر الحديث يتحدثون أن الجودة ما هي إلا عمليات التحسين المستمر التي لا تتوقف أبدًا. حتى اللغة الإنجليزية تستخدم تلك الصيغة المطلقة في الإحسان، وفي الاكتمال، وفي الأمر المطلق الذي لا يضاهيه شيء.

Ahmed is better than Ali.

But Mohammed is the best.

لا بديل عن الأفضل الأمر ليس ترفًا، أو جهدًا زائدًا، أو كماليًّا، يمكن أن يحدث أو لا يحدث. إنه المعيار الإلهي والرباني والإسلامي، الذي يشمل على كل شيء، كل فعل، كل إنسان، كل مؤسسة، كل هيئة وجماعة وحزب.

بلا إحسان بلا فائدة

إن القيام بأي عمل، وأي دور لمجرد القيام بالعمل ليذكرني بالنكتة الدارجة، والتي تحكي أن شخصًا دخل مجمعًا استهلاكيًّا، وتوجه للموظف قائلًا: أريد أن أشتري دجاجة من فضلك، فسأله الموظف تريد دجاجة حية أم مذبوحة؟ قال مذبوحة، قال له اصعد الدور الثاني؛ صعد إلى الطابق الثاني وسأل عن دجاجة مذبوحة، فقال له موظف آخر تريدها مقطعة أم قطعة واحدة؟ فقال له مقطعة، قال له اصعد الدور الثالث… وقابل موظفًا ثالثًا وسأله عن دجاجة مذبوحة ومقطعة، فقال له: تريدها مطهية أو نيئة؟ قال له مطهية، فقال له اصعد الدور الرابع. وصعد صاحبنا إلى الدور الرابع وقابل موظفًا رابعًا، وقال له أريد دجاجة مذبوحة ومقطعة ومطهية، فرد الموظف وقال له للأسف لا يوجد دجاج. ولكن ما رأيك في النظام؟!

هل تجسد هذه السطور الساخرة واقعًا أليمًا يعيشه معظم الناس، والمؤسسات، والهيئات على المستوى الاجتماعي والإنساني. فالعمل يحمل الاسم وليس الفعل، والتربية التي نربيها لأبنائنا ليس لها من التربية إلا الاسم، والعلاقات الصداقة والأخوة والزواج والأعمال كلها تمثل غياب الروح، وغياب الإتقان، وغياب الإحسان. إنه القيام بكل الأعمال، ولكن بلا فائدة ولا نتيجة ومنتج.

الكيف وليس الكم

أعتقد أنه في هذه الحالة لدينا خياران لا ثالث لهما عند القيام بأي عمل، أو مهمة، أو دور في الحياة. الخيار الأول أن نعمل العمل بأحسن صورة، وأفضل أسلوب ممكن حسب معارفنا وإمكاناتنا وقدراتنا، والثاني ألا نعمل العمل أصلًا. والخيار الثاني أكرم وأشرف وأفضل من اللجوء المتعمد إلى أداء العمل بصورة متواضعة، وغير متقنة، وغير منتجة. فالنتيجة المترتبة على الخيار الثاني أفضل بكثير من عواقب الأداء المترهل، والمهمل، وغير المحسن.

فالاجتماعات غير المنتجة، والتي لا يترتب عليها نتائج محددة مسبقًا هي إهدار للوقت، والجهد، والمذاكرة التي لا يترتب عليها استيعاب واحتفاظ بالمعلومات هي إهدار للأعصاب، وإرهاق للجسد، والعقل؛ والمؤسسات الإدارية والتعليمية والتربوية التي لا تنتج منتجًا مقدرًا ومميزًا هي إهدار للطاقات، والقدرات، وللأجيال.

البوصلة

نحتاج إلى بوصلة إذًا. نعم أينما كنت، وحيثما تعمل، وأيًّا كان اهتمامك ونشاطك ودورك وحياتك، اسأل نفسك عن الأحسن والأفضل وضعه أمامك، سيوجهك ويدفعك إلى الصواب. والأفضل حيث كنت وحيث أقامك الله في كل أعمالك، وفي كل أحوالك.

عليك أن تفكر في أفضل، وتسأل نفسك: ما هو العمل الذى أقوم به أنا فقط، ولا يمكن أن ينوب عني أحد في أدائه؟

ما هو العمل الذي يجب القيام به الآن، ولا يمكن تأخيره أو تقديمه؟

ما هو العمل الذي يترتب عليه أثر دائم، ونفع مستمر، ونتيجة متميزة، ومنتج متميز؟

وتلك النقاط التي لخصهما علماء الإسلام في أفضل الأعمال فقالوا: «واجب الوقت وما يحتاجه الناس» بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره، ففي وقت الصلاة أفضل العمل الصلاة، وفي وقت العمل أفضل العمل إتقان العمل، وفي وقت العلم والمذاكرة أفضل العمل الجد والتحصيل. وأيضًا استنبطها إيزنهاور في مصفوفة «إدارة المهام»، حيث قسم المهام أربعة مستويات: المستوى الأول «مهم وعاجل»، والمستوى الثاني «المهم وغير العاجل»، والمستوى الثالث «غير المهم والعاجل»، والمستوى الأخير «غير المهم وغير العاجل». ومن هنا يمكن أن نحدد مكان «أحسن الأعمال» وأفضلها حتمًا هو في المستويين الأولين.

«نسيان الغاية هو أكثر أنواع الغباء شيوعًا»

حان الوقت لنعرف وندرك جيدًا مصطلحات جديدة ومؤثرة في حياتنا، مثل «تعليم مبني على المخرجات»، «تربية مبنية على الأثر»، «تدخل قائم على التغيير»، «التنمية المستدامة»، «أعمال خيرية مستمرة وباقية»، «منتج متميز»، «علامة متميزة»، «تعليم متميز».

حان الوقت لنتوقف قليلًا، ونسأل أنفسنا هل نحن الآن نقوم بأرجى عمل، وأحسن عمل، وأفضل عمل؟ وهل أعمالنا ذات أثر وفائدة وناتج معروف ومحدد ومنافس؟ هل أدركنا حكمة الحياة وحكمة الخالق أم أننا جئنا ورحلنا ولا أثر ولا ذكرى ولا نتيجة؟ «بس ايه رأيك في النظام!».

وللحديث بقية

أقوال مأثورة عن الإحسان والإتقان

«إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه». حديث شريف

«نسيان الغاية هو أكثر أنواع الغباء شيوعًا». نتشيه

«ليس المراد من السحابة الأمطار، وإنما المراد منها وجود الأثمار».  حكمة

«وَكُلُّ مَا فَعَلْتُمْ، فَاعْمَلُوا مِنَ الْقَلْبِ، كَمَا لِلرَّبِّ لَيْسَ لِلنَّاسِ». بولس الرسول

«من الخطأ أن تكون الأمور الأكثر أهمية تحت رحمة الأمور الأقل أهمية». جوته

«الناس تحكم عليك من خلال أدائك لذلك ركز على مخرجاتك، اجعل الجودة والإتقان هي مقايس أعمالك، ولا تنظر إلى الكم ولكن إلى الكيف». ستيف جوبز