في الرأسمالية يعد الاقتصاد لعبة الأرقام الموجبة للطبقة المحتكرة، والسالبة للفقيرة، والصفر للمستلبة. وتفاوت النسب داخل هذه اللعبة هو الذي سيخلق الانفجار الكبير. – سمير أمين، مفكر واقتصادي مصري.

أحد أهم الأنماط الاجتماعية التي تروج لها الرأسمالية هي الحرية، حرية الفرد بالتحديد، فما هي هذه الحرية؟ وهل نشعر حقًّا أننا أحرار في مجتمع الرأسمالية؟

الحرية التي تروجها الرأسمالية تندرج في ثلاثة خطوط أساسية، دون الفصل الميكانيكي بينها: حرية النشاط الاقتصادي، وحرية التعبير عن السياسي، وحرية الفعل الاجتماعي. هكذا تروج الرأسمالية العالمية للحرية الفردية، أنت حر في بناء مشروعك الاقتصادي الخاص، وأنت حر في التعبير عن رأيك السياسي، وأنت حر في فعلك الاجتماعي، ما لم يتجاوز «مساحتك الخاصة»، فهل من وجود لهذه الحرية أساسًا؟ وإن كانت تحقق هذه الحرية واقعًا، فهل هذه الحرية هي التي نبحث عنها، هي التي تعبر عن دوافع الإنسان الحقيقية؟

حرية النشاط الاقتصادي

الوجود الدائم للمفترسين، ينطلق من النمط الاقتصادي الذي يقف عليه المجتمع، والذي يطالب بتحريره «النمط الاقتصادي»، نمط مافيوي، نمط يتطلب القتال من أجل العيش، نمط لا يحمل حسابات سوى الربح.

جون ستيوارت ميل، فيلسوف واقتصادي بريطاني.

تقدم الرأسمالية هذه الحرية على أنها عنصر بشري مهم، وتراهن على هذه الحرية على أنها «اليد الخفية» في بناء المجتمعات، هذا ما راهن عليه آدم سميث في أهم أدبيات الرأسمالية، لقد كان هذا الفكر وما زال فرديًّا بالكامل، فهو لا يطور القدرات الفردية بقدر ما يعززه من نزعات أنانية، واغتيال روح الإبداع الفردي في الوقت ذاته.

فما هي اليد الخفية؟!

في اليد الخفية لآدم سميث رسالة إلى البحث عن المصلحة الفردية، ومن هناك يتم بناء المجتمعات ضمنيًّا، ودون أي تدخل «الجميع في سياق بحثه عن مصلحته الخاصة، يجبر على التعامل الجيد مع الآخرين، ومن هنا تتعاظم أخلاقيات هذا المجتمع بطريقة قسرية وإجبارية تحت شعار المصلحة، المصلحة فقط. في الرأسمالية تجلت حرية السوق نظريًّا في آدم سميث، وتحديدًا في مبدأ اليد الخفية، ومفادها أن المجتمع يتطور ويتقدم انطلاقًا من حرص الفرد على مصلحته الخاصة، وفجأة يكتشف أنه يقدم الفائدة للمجموع».

لقد تطورت لغة النظرية إلى أن أصبحت بالكامل لغة سلطة، وبات كل شيء متاحًا لتحقيق «المصلحة الخاصة» التي تصب في النهاية لصالح «المصلحة العامة»، تحت عنوان إرضاء الزبون أو العميل «customer satisfaction»، ومن هنا يمكن التعريج على منظومة الفساد اليوم بمعزل عن الصورة الكاملة والنهائية للنظام ككل، فتحقيق المصلحة الخاصة كهدف أساسي لا يمكن له أن يتقاطع بهذا النحو الأخلاقي اليوتوبي مع المصلحة العامة، المصلحة الخاصة تعني أن كل شيء متاح لتحقيق هذا الهدف، المصلحة الخاصة تعني نهاية المجموع، فوضى ليست محكومة بقوانين داخلية إلا الفساد.

يتعرض ماركس في مخطوطات 1844 بشكل واضح لهذه الصيغة: «يفر الإنسان في خلق حالة جديدة للإنسان الآخر، من أجل إجباره على تضحية جديدة، لوضعه في إطار تبعية جديدة، ولإغرائه بنوع جديد من السعادة، لجره من خلال تلك الوسيلة إلى الدمار الاقتصادي. فكل إنسان يحاول أن يؤسس فوق الآخرين قوة عنصرية، لإشباع حاجاته الأنانية، وبمقدار حجم الأشياء تتوسع مملكة الكينونات العنصرية، التي يخضع لها الإنسان. أي نتاج جديد يمثل إمكانية جديدة للغش واللصوصية المتبادلة».

لا يقتصر تأثير اليد الخفية والرأسمالية بالضرورة على تفشي الفساد، بل يطول البشرية ليصيبها بالاكتئاب والإحباط، والعجز عن الشعور بالسعادة في الفعل المباشر، في العمل، فبما أن الربح هو الفكرة المركزية التي تدور باقي الأفكار في فلكها، فلا داعي هنا للحديث عن الميول والرغبة، لا داعي للحديث عن الهوس، إلا هوس الأشياء والسلع المركب في هوس العرض والطلب، يصعد العرض والطلب كعامل أساسي ووحيد في الاختيار، فوحده القادر على تحديد نوع الفعل وشكله وتوقيته. ومن هنا تسقط الرأسمالية في تطوير «الموارد البشرية»، وتسقط ادعاءاتها في الحرية الفردية كذلك، فليس هناك من حرية فردية في عالم مستلب. في ظل البنية الاقتصادية الرأسمالية يكمن العرض والطلب في المركز، وتصبح مسألة الحرية مسألة ثانوية، أو بمعنى آخر تضع الرأسمالية الحرية في قالبها، في قاموسها الخاص.

إن خيارات البشر في العمل ووفقًا لآليات تقسيمه، لا بد لها أن تصطدم في أفق النجاحات الراهنة، ومستويات الدخل، وفرص العمل. في الرأسمالية الطلب هو المحدد الأساسي للاختيار، فهو فرصة النجاة من واقع مرير قادم «البطالة، انخفاض الدخل، غياب الضمانات الاجتماعية الأساسية، غياب كينونة التأمينات للمواطن». لذلك فإن العرض والطلب هو النقيض الصارخ للإبداع والاختيار الحر، هو القيد الأساسي لانفجار رغبات الناس، وترجمتها إلى قيمة وحقيقية، لإنقاذها من تحول طاقاتها إلى قوة بشكل عجز.

ولذلك فإن الفساد ظاهرة أصيلة ملازمة للنظام الرأسمالي، فعلاوة على مجموعة القوانين التي تنتجها السلطة ذاتها لصالح الفئات الاحتكارية، تقف الدولة في موقع الجابي والناهب لأموال الناس، دون عمل مقابل، دون رعاية اجتماعية، ودون حتى حماية اقتصادية.

حرية التعبير السياسي

الديمقراطية بطبيعتها الليبرالية تمكن الرأسمالية من تنفيذ المزيد من الهيمنة والقمع، وتساعد في خلق دوائر من الشحن، وتفريغ الغضب الشعبي بشتى الوسائل، من جسر الفجوة بين التعبير، والتنفيذ إلى بيوت الدعارة، الأمر الذي يمكنها من الخروج من أزماتها المتكررة، ولكن إلى متى؟

فريدريك هايك، منظر نمساوي للمنظومة الرأسمالية.

يعتبر هذا الشكل من الحرية أحد أكثر الشعارات التي تجتهد الرأسمالية في الحفاظ على البروبوغاندا الخاصة بها، ويتمظهر هذا الحفاظ من خلال مجموعة من العناوين الأساسية: (خلط المعنى بين التعبير والتنفيذ وقانون الانتخاب والسوق ورأس المال والديمقراطية).

يتمثل خلط المعنى بين التعبير والتنفيذ في إعطاء الشعوب القدرة على التعبير مع وقف تنفيذ ما يعبر عنه، «قل ما تشاء وسنفعل نحن ما نريد»، فتم استلاب قدرة الشعوب على إطاحة المسؤولين ونظام عملهم بالكامل، فأصبح الجميع غير قادر على طرح الملاحظات دون أن تترجم إلى تنظيم، أو حزب، أو حركة سياسية شعبية تحت بند التطاول على القانون، ولا بد من إيقافه.

وبالتزامن مع جسر الفجوة بين التعبير والتنفيذ تنتج السلطة قانونًا ينظم العملية الانتخابية، وهذا القانون مرن لصالح السلطة ومتصلب في حق الشعوب، قانون يفصل بين الكتل الاجتماعية سواء كان إقليميًّا أو دينيًّا أو عرقيًّا أو ثقافيًّا، فيتعاظم دور السلطة كحكم، وتتكاثر الاحتمالات مع تكاثر التقسيمات، وتوسع الجدل يفتح الباب لتحييد إشكاليات الصراع أكثر وأكثر.

ويجري الترويج إلى أن المجتمعات الحرة اقتصاديًّا وفقًا للنمط الرأسمالي، هي مجتمعات ديمقراطية بالضرورة، وكل الدول التي لا تتماشى بالكامل مع المنهج الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ستواجه معركة كبيرة بحكم أنها غير ديمقراطية. فالدول التي ترفض التبادل التجاري بشروط الأقوى تعتبر شعوب تحكمها أنظمة غير ديمقراطية.

«رسى الثور سلامًا» جملة تعود إلى القرن السادس عشر في إشارة إلى ما قام به المزارعون على الحدود الفاصلة بين السويد، والدنمارك مطالبين بمبادلة اللحم والزبدة مقابل البهارات والسمك، هذا المثال يستخدمه منظرو الرأسمالية للتدليل على تصلب هذا النظام، فالمسألة تكمن في كيفية التبادل التجاري وشروطه ونتائجه، فما يجري اليوم يعد فرضًا للتبادل التجاري لصالح طبقة على حساب أخرى، وأمة على حساب أخرى، فالمنظمات الدولية تفرض برامجها الاقتصادية على الشعوب كي تبقيها أسواقًا مفتوحة لمنتجات المراكز المصنعة، وبذلك تمارس نشاطًا قسريًّا بحق هذه الشعوب، وتسميه تبادلًا تجاريًّا كي تضع المراكز والأطراف في خانة الأنداد صوريًّا، وتمارس في الوقت ذاته حربًا باسم الديمقراطية لإسقاط الديكتاتوريات.

الدليل على ذلك هو فنزويلا، التي جاء هوجو تشافيز رئيسًا لها من خلال صناديق الاقتراع، وبعد ذلك فعلت الولايات المتحدة الأمريكية كل ما يمكن فعله من تدبير لانقلابات عسكرية، والتشكيك في نتائج الانتخابات، والدعوة إلى استفتاء شعبي، وتشكيل هيئات تشرف على الانتخابات، وكل هذا لإعادة النموذج الاقتصادي اللاتيني إلى ما كان عليه، حديقة خلفية لواشنطن، هادئة ومطمئنة.

إن الديمقراطية الرأسمالية، هي ديكتاتورية الرأسمالية نفسها على الشعوب، هندسة القوانين والمؤسسات لصالح الأقلية المنظمة على حساب الأكثرية المشتتة. هذه الديكتاتورية تتجنب التعبير عن نفسها بصراحة، وتصف نفسها دائمًا بالديمقراطية، فتخلط أوراق التعبير والتنفيذ في وعي الناس، وتصمم نسخًا لا تنتهي من قوانين الانتخاب لتنتج دائمًا المخرج نفسه، وترشي أكبر عدد من الفقراء اليائسين ليحتل رجال الأعمال المقاعد الأولى في البرلمان، وتهاجم كل من يغلق الباب في وجه احتكارها في أخلاقيات ديمقراطيته. لتصبح الحرية بنكهتها الليبرالية هي وجه لعملة وجهيها ينظمان لمجتمع ديكتاتوري.