يُحكى أن شعوبًا كانت تعيش في استقرارٍ هش دام قرابة الـ 40 عامًا، ثم جاءتها رياح التغيير؛ فهبت من سُباتها تقتل أنفُسها؛ ففرح الجميع بما فيهم جزيرة الذئاب واللئام، التي أضلت عقولهم بالتغيير والحياة الهانئة العادلة، بعد زوال ممالك وحكومات قابعة على أنفاسهم طيلة العقود الماضية.

هب الصغير والكبير مطالبًا بالتغيير، والحرية، والعدالة الاجتماعية، والصورة الخيالية لمجتمع مثالي، يعيش فيه الجميع سعداء دون ثمة تعب، أو جهد يذكر، أو عمل دَؤُوب؛ فاقتلعنا الأشجار وما ذنب النباتات؟، خربنا الديار وما ذنب البنايات؟، قتلنا الإنسان؛ وجاء التغيير، وذهب الاستقرار، وذهبت الحكومات، وعَاَثَ الفساد، والقتل، والتخريب في عالمنا العربي.

إن ثمة مجموعة من الأخطاء قامت بها الشعوب العربية، وهي الثقة في جماعات ومجموعات أوحت إليهم بالقدرة على التحكم في مجريات الأمور، والقدرة على البناء، وإدارة مصالح العباد، وعدم تحديد البديل المناسب والجيد والصالح لقيادة زمام الأمور، بعد انفكاك عقد المجتمع، وتشرذم الجميع، وعودة القبلية، وعدم إدراك أن الفساد ليس فقط على مستوى الحكومات والقيادات، وإنما هو المكون الرابع اللازم لحياتنا بعد الهواء والماء والغذاء.

بيد أن الجميع الآن يشعر بالندم على ما آلت إليه أحوال الشعوب العربية، فبلاد الشام والعراق تُجري فيها أنهار الدم، وتنمو فيها أشجار العنف والشوك، وتعلو كلمة المصالح الغربية فوق قيمة الإنسان العربي، وأما اليمن الحبيب يشتكي ولا أحد يسمع شكواه، يتصارع الجميع على مكانته الاستراتيجية وموقعه الجغرافي، فيما يبقى الإنسان اليمني في المرتبة الأخيرة، وهنا في مصرنا القديمة قِدم الإنسان نعاني أزمة اقتصادية طاحنة، وعمليات إرهابية خسيسة، تسعى إلى تمزيق شمل الأسرة المصرية، إلا أنه وبرغم كل ذلك ما زال هذا الشعب الأبي العنيد يرفض الاستسلام، ومحاولات الهدم، ما زال لديه نوع من الثقة بينه وبين قواته المسلحة التي حمل أبناءها الكفن في سيناء فداءً للوطن، وفى ليبيا وتونس لا يختلف الوضع كثيرًا عن اليمن وبلاد الشام.

في 2017 لن يختلف الوضع كثيرًا عما سبقته من الأعوام، وربما تهدأ وتيرة الأحداث مع تولي إدارة جديدة في الولايات المتحدة الأمريكية؛ تسعى إلى إعادة ترتيب قواعد اللعبة، وإعادة الهدوء والاتزان إلى المنطقة، بعدما أعلن ترامب أن داعش صناعة النظام السابق في أمريكا، ومع وقوف مصر إلى جانب نظام بشار الأسد في سوريا، وقيام روسيا بشن ضربات قاسية للتنظيم في حلب، وعودة السيطرة وانسحاب المقاتلين.

في 2017 يجب أن يتماسك الشعب المصري، ويتحمل الغلاء الذي يمر بالبلاد الآن، ويقف بجانب الحكومة التي تتوالى محاولات تقليم أظافرها، سواء من الداخل بعمليات الفساد والاحتكار المنهجي، أو من الخارج بحظر عمليات تصدير المنتج المصري، وفرض صعوبات على عمليات الاستيراد؛ فانسحاب الشركة السعودية من تزويد مصر بالمنتجات البترولية، أمر زاد من المعوقات التي تواجهها الحكومة المصرية.

في 2017 يجب أن يعلم الشعب المصري أن الغلاء لن يستمر كثيرًا، وأن بوادر إنتاج الغاز المصري من حقل ظهر كمرحلة لاكتشافات أخرى ستتوالى، وسيئول نتاجها لصالح هذا الشعب الذي تحمل كثيرًا، وليعلم المصريين أن ما يقوم به النظام الآن من رصف الطرق، وبناء العقارات، وإعادة هيكلة المصانع، ليس من قبيل المصادفة، وإنما أمر تفرضه متطلبات المرحلة المقبلة.

في 2017 يجب أن تعلم الدول العربية أن ما مرت به مصر وعصف باقتصادها، لن تكون بعيدة عنه؛ فانخفاض أسعار البترول أمر ليس بالهين على اقتصاديات تلك الدول، التي عمادها الأساسي هو النفط، وأن التماسك الذي أظهره الشعب المصري، ربما لن تستطيع تلك الشعوب تقديم جانب منه، بعدما تعودت على قدر كبير من الرفاهية؛ ولذلك وجب على تلك الدول إعادة التفكير في سياستها تجاه مصر، التي تقف دائمًا بجانب الأشقاء العرب، وقت المحن والصعوبات، وأن أبناء مصر قادرون على حماية تلك الدول من الصعاب، لكن وكما تقول العامية المصرية «قَدّم السبت تلاقي الأحد».

في 2017 يستعد العالم لإعادة ترتيب رقعة الشطرنج

مجلة فوربس ترى أن المشهد السياسي في العالم سيتغير بشكل كبير، وعدد الدول العظمى سيزداد، وستنضم إلى الولايات المتحدة كل من روسيا، والصين، وألمانيا، والهند، واليابان وتقول المجلة أن تلك الدول تراكم قوتها، ويظهر ذلك جليًا على سبيل المثال في إمكانياتها الدفاعية، ودخلت إلى قائمة العشر دول الأكثر إنفاقًا على الدفاع العام 2015، بحسب معلومات معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام كل من الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، والهند، واليابان، وألمانيا، وهي ذات الدول التي ستهيمن على الكوكب بعد عقد ونصف.

يقول التقرير أن تلك الدول بينما تتحدث عن السلام، فهي تستعد جليًا لحرب محتملة، ولا يقتصر الأمر عليها، فإنفاق كل الكوكب على الدفاع في ارتفاع مُطرد منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، وقد تجاوز في العام الماضي 1.6 تريليون دولار، يرى الخبراء أن هذا التوجه سيتواصل في العقد المقبل،

فيما ترى المخابرات الأمريكية تصورًا مقاربًا لمجلة فوربس عن شكل العالم في 2030، حيث يتوقع التقرير الحد من النزاعات بين الدول، ومن الحروب الأهلية. ولكن رجح زيادة مخاطر الصراع على الموارد الطبيعية كالمياه والأراضي الزراعية في المناطق التي يكون معظم سكانها من الشباب، وهي ثلاث مناطق: الشرق الأوسط، وجنوب شرق آسيا، وأفريقيا التي تقع جنوب الصحراء الكبرى.

عام 2030 هو عهد الصين؛ التقرير يصفها باعتبارها قوة آسيوية أقوى من الولايات المتحدة وأوروبا مجتمعتين سواء من حيث عدد السكان، أو الناتج المحلي الإجمالي، أو الإنفاق العسكري أو حتى الاستثمار التكنولوجي.

ومع ذلك يحجز التقرير مكانًا مهمًا للولايات المتحدة لأنه يتوقع استقلالها بسبب اعتمادها على مخزونها من الغاز والنفط. وستصبح المنتج العالمي الأول للنفط بعد عام 2020؛ وبالتالي فنتائج ذلك على المملكة العربية السعودية والعالم ستكون غير مسبوقة.

مؤسسة (النظام الأوروبي لتحليل السياسة والاستراتيجية) وهي إحدى المؤسسات الداخلية المستحدثة في الاتحاد الأوروبي، وتقدم المشورة فيما يتعلق بالسياسات المتوسطة، والبعيدة المدى لمؤسسات الاتحاد الأوروبي.

في تقرير لها عن شكل العالم عام 2030 تحدثت عن شكل الدول العربية والتغيرات التي ستحدث، إلا أن جزء هام من التقرير تحدث عن الهجرة إلى دول الجنوب، حيث قال على النقيض من المعتاد من اتجاه سكان دول الجنوب إلى الهجرة إلى دول الشمال المتقدمة، من المتوقع أن تشهد السنوات القادمة تزايد الهجرة بين دول الجنوب وبعضها بعضًا، وهو ما يمكن تفسيره بأن السنوات القادمة سوف تشهد استمرار الصراعات في الدول النامية، مع تأثر هذه الدول بالتغيرات المناخية بشدة في ظل عدم قدرتها على اتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة لمواجهتها، وهو ما سوف يؤدي بالتبعية إلى زيادة عدد اللاجئين من هذه الدول.

ومن ناحيةٍ أخرى، على الرغم من حاجة الدول الأوروبية إلى الأيدي العاملة، فإن صعود اليمين المتطرف، وتصاعد المخاوف لدى المواطنين من تأثير اللاجئين على الاقتصاد، واحتمالية تورطهم في أعمال إرهابية؛ سوف يمنع الحكومات من تبني سياسات بتدفق اللاجئين، ومن ثم فإن دول الجنوب ستصبح الملاذ الأمثل لهؤلاء اللاجئين.

فيما تحدث جزء من التقرير عن الاقتصاديات الرائدة حيث توقع أن تهيمن الولايات المتحدة والصين وأوروبا على ما يعادل 55% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول 2030، إلا أن الصين سوف تمتلك أكبر ناتج محلي في العالم، يليها الاتحاد الأوروبي، ثم الولايات المتحدة في المركز الثالث.

كذلك اعتمد التقرير على البيانات الصادرة من البنك الدولي، وشركه برايس، ووتر هاوس كوبرز لمعرفة الدول والتجمعات الاقتصادية التي من المتوقع أن تشهد صعودًا بحلول عام 2030، وقد توصلوا إلى أن المكسيك، وإندونيسيا، وتركيا، ونيجيريا، وفيتنام، سوف تشهد صعودًا من ناحية الناتج المحلي الإجمالي. وعلى عكس التوقعات التي تؤكد أن دول البريكس سوف تشهد صعودًا مطردًا خلال السنوات المقبلة؛ فإن التقرير يؤكد أن هذا التقدم لن يحدث إلا إذا استطاعت دول البريكس الحصول على قدر ما من الاكتفاء الذاتي، وعدم استيراد التكنولوجيا من الدول المتقدمة.