يبدو أن براح عينيها الوسيعة ترك مساحة لبؤبؤها أن يسير براحة يمنة ويسرة حتى أوقفه سؤالي الذي كان عاديًا بالنسبة لي فيما كان صادمًا لها: “شو درستي يا فداء؟”
لم أكن أعلم أن سؤالي صعب إلى تلك الدرجة التي جعلت منه مفتاحًا يفتح أبوابًا قديمة وينسل إلى دهاليز الذاكرة، ركزت نظرها وبعد ثوانٍ من الصمت التي كنت أنتظر  خلالها أن تسمي لي اسم تخصص أو أن تسمي لي اسم مدرسة تخرجت منها، أجابتني إجابة لم أتوقعها أبدًا.

قالت: “اليوم أبلغ خمسًا وعشرين سنة عجافًا وفوقهم عامان بدأت أتنفس فيهما الصعداء، خلال تلك السنين لم أحصل على شهادة دراسية واحدة ولو لمرحلة الروضة أو الصف الأول “لاحظت دهشتي وأنا التي بدا لي حديثها ضربًا من الألغاز، مدت يديها التي غطاهما الصدف وحولهما ليدي عجوز تسعينية أكل الدهر عليها وشرب ثم أكملت : لقد كان هذا المرض اللعين المسمى (بالصدفية) هو السبب في كل مآسيَّ، لم أصب بمرض خطير يهدد حياتي كالسرطان أو أصحاب الكلى لكن هذا المرض جعل مني فتاة منبوذة تخشى الاقتراب من الناس؛ لأنها تعلم يقينًا إن لم تهرب منهم سيهربون هم منها، ولدت به يغطيني بقشوره الفضية ولم يترك أهلي وسيلة أو علاج إلا واستخدموه، حتى الإبر أخذت من جسدي مرتعًا حتى أصبت بليونة في العظام وغدوت أسيرة الكرسي المتحرك في سن الرابعة عشر، لم يكن الكرسي المتحرك سببًا في تعاستي بقدر شكل جلدي الذي منعني إكمال تعليمي ، رفضتني كل الروضات ولم تقبل بي طالبة عندهم خشيةً على الأطفال؛ رغم أن مرضي غير معدٍ البتة، كنت أعتقد أنني سأحظى بفرصة عادلة في الدراسة بالمدرسة.

في ذلك اليوم بدأت فعلاً أكره نفسي ما زلت أذكر بوابة المدرسة الزرقاء التي طالما حلمت بالدراسة فيها وبالمريول المخطط الجديد بالكتب الدراسية كباقي الأطفال، يومها أخذتني جدتي برفقة أختي لتسجلنا في تلك المدرسة، وحين وقعت عينا المديرة عليَ شعرت بالقرف مني وعادت بجسدها للخلف ثم قالت بتقزز: يمكنني أن أقبل أختها لكن من المستحيل أبدًا أن أقبل بفتاة مثلها في مدرستي، ورغم محاولة إقناع جدتي لها بأن مرضي غير معدٍ والدليل أن أختي لم تصب به إلا أنها لم تقبل أن تستمع واتخذت قرارها، حاولنا بأكثر من مدرسة وكان الرد واحدًا “ممنوع أن تدرس تلك الفتاة في المدرسة” فقد يخشى الأهالي على أطفالهم منها وسيزعجوننا بالشكاوى.

هكذا كانوا قد توقعوا ردة فعلهم حتى قبل أن تقع! كانوا يبررون عدم تقبلهم لشكل جلدي دون أن يلحظوا أن خلف هذا الجلد الصدفي طفلة بروح طبيعية تتمنى أن تحظى بفرصة كقريناتها ، كان يخيل لي كيف لو كنت طفلة إحداهن هل سيرفضونها بهذا الشكل!

لم يكن أمامنا إلا خيار مدرسة الصحابة “تلك المدرسة الدينية فقد جال في خاطرنا أن هؤلاء” (بيعرفوا الله) سيتفهمون أني لم أخلق نفسي وسيقبلون بي، بالفعل قبلوا بي لكن على مضض، فمعلمتي تجنبتني وتجاهلتني ولم تكن لطيفة في معاملتي رغم أني كنت أسبق زميلاتي في الصف بحفظ الحروف الأبجدية، لكنها كانت تتعامل معي كمخلوق غير مرئي.

في إحدى المرات أصررت على رفع يدي والصراخ “أنطي أنطي” حتى خضعت أخيرًا لإصراري وسمحت لي في تلك المرة أن أكتب حرف الألف على اللوح، وبعد أن أنهيت كتابة الحرف كنت سعيدة بذلك فمددت يدي أسلمها الطبشورة فدارت بوجهها دورة كاملة تجاه الجهة الأخرى وادّعت انشغالها وأشارت بيدها مرتبكة وقالت: ضعيها على الطاولة ضعيها هناك، كنت قد فهمت أنها تشعر بالقرف مني، لم أستطع أن أتحمل وضعي كمنبوذة بينهم، فقررت الاستسلام وجلست بالمنزل، اختفيت عن أنظار الناس ولم تلتق ناظري بعتبة الباب عشرة أعوام حتى جاء فرح أخي الذي يكنّ لي معزة كبيرة وأنا أبادله تلك المعزة والاحترام، فصمم على حضوري فاستجبت ولم أكن أرغب أن أكسر له طلبًا كما لم يكن يكسر لي طلبًا.

في ذلك اليوم رغم صعوبته إلا أنه أكثر أيامي سعادة، لقد كان عليّ أن أواجه المجتمع الذي رفضني وفرض علي العزلة عشرة أعوام، كان عليَّ أن أتوقف عن الهرب أخيرًا وأبدأ معركة المواجهة وأفرض عليهم وجودي، دخلت قاعة الفرح على الكرسي وقد كنت متزينة بأجمل صورة بدوت عليها منذ ولادتي، وحين دخلت القاعة لم ألحظ إلا الأفواه الفارغة وبعض الأصوات والتمتمات عني التي انسلت إلى أذني من أحاديثهم الجانبية، في تلك اللحظة الصعبة لو كان البيت قريبًا لعدت لكن والحمد لله أنه كان بعيدًا فلا مجال أن أهرب من جديد تجاهلتهم وأسعدت نفسي، يومها اكتشفت أنّ السعادة قرار داخلي وليس من الناس، لقد كسرت حاجز الخوف والرهبة منهم وأجدت تجاهلهم وقررت الخروج، وبعد ذلك اليوم لم يكن الخروج أمرًا صعبًا بل انطلاقة جديدة.

وكأن الله كان يهيئوني لحياة جديدة، فبعدها بأيام قليلة سمعت عن مركز يرعى ذوي الإعاقة ويؤمن لهم المواصلات، وحين تقدمت أمي بطلب الالتحاق لي عندهم قبلوا وأنا التي اعتدت أن أستقبل الرفض لم أتوقع أن يقبلني أحد، فلم أملك أية شهادة تؤهلني لأن أحيا بين الناس، يومها سجدت شكرًا لله حادثته حبًا: شكرًا يا الله لقد كنت معي كنت تسمعني وتؤجل دعائي لكنك لم تنسني”

اليوم قررت أن أعود لدراستي رغمًا عنهم واكتشفت قدرتي على الكتابة والشعر وبنيت صداقات جديدة وبت فتاة محبوبة عند الكثير، وبت أطمح أن أتحدث أمام الجموع عن تجربتي بعد إنهائي تخصص اللغة العربية في الجامعة يومًا ما.

لقد أعلنت لهم أني  دفنت تلك الفتاة العاجزة وولدت من رمادها فتاةً جديدة لا تعرف المستحيل وأعدهم أنها لن تكررني مرة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست