منذ 10 دقائق، 27 يناير,2016

طلب مني ولدي إعداد البسكويت له، الجو بارد والشعور بالجوع من سمات الشتاء، يحتاج الجسد سعرات حرارية أكثر حتى يقاوم البرد ويمد الأعضاء بالدفء، صغيري عنده سبعة أعوام فقط، منظره وهو يقفز فرحًا كفرخ القبرة ويدور حولي في حماس وأنا أصنع الكعك يبعث في قلبي كل ألوان الحياة، رائحة الزبد والسكر يعبقان في البيت ويجعلان لذكريات طفولته  شكلًا ولونًا وصوتًا، راقبته وهو يلتهم الكعكات في بهجة، وغص قلبي وقد عجزت تمامًا عن مشاركته، أغبطته لأن طفولته تعظم من شأن الجمال في عيونه الصغيرة وتقزم من حجم المأساة أو تنفيها، لكنني أعرف أن هناك صغارًا في مكان آخر من هذا العالم تحفر ذاكرة طفولتهم مأساة الجوع الضارية، حرمتهم من أبسط حقوق الطفولة؛ أن يحصلوا على ما يحملهم إلى الغد في شتاء بلادهم القارس.

كانت المرة الأولى التي أسمع فيها عن قرية في ريف دمشق تسمى مضايا، شاهدت أفلامًا وثائقية عنها، هؤلاء القوم يومًا ما كانوا يعيشون في سعة، يمارسون الزراعة مغمورين بخيرات الطبيعة في بلادهم، قديمًا عندما قامت الحملات الصليبية أرادوا أن يحتلوا الشام قائلين أن هدفهم أن يحصلوا على عسلها، كانت بلادهم توصف بالعسل لما يقطر منها من خيرات، الآن وبيد من يحكمونهم والشيعة، تحول العسل إلى سم زعاف يقتل الناس ويجفف الحياة في ضرع البلاد، حاصر اليهود غزة لثمانية أعوام فما سمعنا عن أحد هناك مات جوعًا! كيف يكون الرافضة أشد خطرًا من اليهود أنفسهم على المسلمين، حاصر جنود الطاغية المدينة لأن بها أحرارًا ثاروا منذ أعوام على حكم بشار، زرعوا حولها آلاف الألغام، أكل الناس وكثافتهم تناهز الأربعين ألف مواطن كل شيء حتى القطط والكلاب، رفع تجار النظام وزبانيته سعر السلع لأثمان لا يملكها أحد، هلك الخلق جوعًا، منظر يدخل في كوابيسي كل ليلة كيف يتحول شخص على قيد الحياة إلى هيكل عظمي!

في سوريا أناس محرومون من حق الحياة، أبسط حقوق الإنسانية أن يطعم الناس ويشربوا، هذا الحصار جعل البعض يجازف بالخروج من البلدة بحثًا عن القوت الضروري وهؤلاء انفجرت في أجسادهم الألغام المزروعة خارجها، إن للموت وجهًا قبيحًا جدًا في مضايا، (عندما لا أجد ما أعيش لأجله سأموت) الجملة الأشهر التي كتبها علي عزت بيجوفيتش في سجنه واصفًا إرادة الأمل التي تحرض المحروم من حياته على مواصلة المجادلة معها، رأينا الناشط عبد الله الشامي وحفنة من الشباب المعتقلين في مصر يضربون عن الطعام احتجاجًا على ظلم السجن، وخرج عبد الله وهو على شفير الموت ليضرب لنا ذلك المثل أن هناك من ينجح في العيش بدون طعام أو شراب لكن يكفيه الأمل وإرادة الحرية التي عاش بها علي عزت بيجوفيتش في محبسه، لكن الوضع يختلف مع أهل مضايا، إن موت الصغار يقتل الكبار قتلًا، كيف والأم تعجز عن إطعام صغارها، كيف والأب يرى احتضار طفله ولا يملك له سد الرمق، حاصر المشركون النبي الأكرم في شعاب مكة حتى أكل وأصحابه ورق الشجر، إن التجويع سياسة إجرامية معروفة منذ الأزل، كيف انتظر الحبيب المصطفى ثلاثة أعوام من الجوع في أرض قاحلة يربط الحجر على بطنه والناس في الخارج يعيشون ويطعمون!

جاع خير البشر يا أهل مضايا، يكفيكم شرف البلاء على خطاه، جاع وحوصر في الشعاب ورأى الموت يزحف على أحبابه ولم يسلّم ولم يهادن ولم يحنِ في الله رأسه، كل لحظة جوع تحاصركم تخز في أكبادنا، وتزلزل أرواحنا، وتدق مسمارًا جديدًا في نعش عدوكم وعدونا الذي كتب على حوائطكم تشفيًا ووعيدًا (الجوع أو الركوع)، رأيت ذلك الخبير الاستراتيجي يتساءل لماذا لا يتم إسقاط الطعام لهم من الجو؟! ما الهدف من ترك أهل مضايا يهلكون في الوقت الذي يملك العالم مساعدتهم؟ إن السياسة بالرغم من كونها قانونًا اخترعه البشر إلا أنها اليوم لا تبدو وهي تنظر لمأساة مضايا بعين عمياء إلا أن تجعلنا نصدق أن من يمتهنونها ليسوا بشرًا.

حق على كل حر في العالم أن يحكي عما يحدث في سوريا وعن جوع الخلق في مضايا، وإن حديثنا عنهم وانخراطنا في قضيتهم الإنسانية هو أبسط حق لهم علينا، أطعموهم أملًا إن كنتم تعجزون عن إطعامهم من بيوتكم، وبراداتنا ملأى بالطعام الذي لا يملكه أهل مضايا والمساعدات القليلة التي أدخلوها لهم مؤخرًا لا تكفي لأكثر من أسابيع قليلة، وأخشى ما أخشاه أن تكون مجرد مسكنات لتهدئة العالم الحر الذي تحدث عن مضايا وكشف جنون النظام بقتل وحرمان المدنيين من حقهم في القوت الضروري، لهذا لا تكفّوا عن الحديث عنهم واجعلوا دعاءكم وصلاتكم لهم، والتضامن الحق هو الأمل الذي يغذي عروقهم فيجعلهم قادرين على  احتمال غدر الساسة وعالمهم الحاقد يومًا آخر حتى وقت النصر، وعسى الله أن يجعله لهم ولنا أقرب من شراك نعالنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست