سيدي الرئيس أوباما، قد يكون عنواني وبداية مخاطبتك تلك، سرقة أدبيه من شاعر عراقي (عباس جيجان)، كتب لك قصيدة أسماها بالعنوان آنفًا. لكن ما شدني إلى مبتدأ كلامي إليك رغم معرفتي المسبقة أنه لن يصلك، دموعك عندما تحدثت عن قانون حظر بيع الأسلحه واستذكرت هؤلاء الأطفال الأمريكيين الأبرياء الذين تواجدوا بالصدفة في مكان إطلاق نار وسقطوا دونما سبب ومبرر.

تعاطفتُ معك أنا الإنسان وقدرتُ مشاعرك التي وجدتها صادقه، خاصة عندما استرسلت وخاطبت محدثيك بأن أولادهم وحتى أولادك أنت، ربما كانوا سيتواجدوا في نفس المكان ليضحوا واحدًا من مجاميع الضحايا التي تسقط سنويا في وطنكم جراء حوادث إطلاق النار.

وجدتني أؤيدك طواعية في كفاحك الحثيث والشجاع لتثبيت قانون حظر بيع السلاح في أمريكا، وأفهم حجم وشراسة الصراع الذي ستخوضه مع معارضي سياستك من الجمهوريين وحلفائهم من لوبي صناع وتجار الأسلحة، وهم الذين لن يدعوا قرارك يمر لما فيه من أضرار ماديه جسيمة تمس صناعتهم وتنقص من ملياراتهم المكدسة من صناعة وبيع السلاح في السوق الأمريكي وباقي أسواق العالم.

سيدي الرئيس كنت أرغب وأنت زعيم أكبر دولة في عالمنا المتخم بالفجائع، بينما دموعك العزيزه تنهمر على أطفال وطنك (ضحايا انتشار السلاح)، كنت أرغب لحضرتك باستذكار بسيط لضحايا آخرين من الأطفال قتلوا بالآلاف، جوعى حصار وقتلى براميل تساقطت وتتساقط على رؤوسهم تمزقهم أشلاء، لحظة كنت تتلو فيها خطابك المؤثر.

في سوريا التي تفتتها وتشرد أهلها حرب أهليه  طاحنة منذ خمس سنوات. تذكر وأنت تذرف دموعك سيادة الرئيس دماء عشرات الآلاف لأطفال عراقيين سقطوا بصواريخ وقذائف قوات المارينز عبر حربي الخليج الأولى والثانية، أُعبر بسرعة على مشاهد أشلائهم في العامرية والبصرة، هؤلاء أيضًا كانوا أطفال أبرياء قتلهم سلاح دولتك العظمى التي تحاول محقًا حماية أطفالها.

لست هنا ألومك او أحملك مسؤولية قتلهم سيدي، فأنا أعلم أنك زعيم استثنائي يقف ضد الحروب وسفك الدماء، التي مارسها رؤساء من قبلك، أعلم أيضًا أنك سحبت قواتك من العراق وأفغانستان، وعملت على إغلاق سجن جوانتانامو أحد أيقونات العار الإنسانية الكثيرة في جبين الولايات المتحدة، إحدى إنجازات بوش سلفك السابق. هذا الذي استغرقت طويلًا في ترقيع وتصويب حماقاته العسكرية والسياسية التي جرها على العالم وعلى الشعب الأمريكي نفسه بسبب ما خاضه من حروب ومجازر دامية، مدفوعًا باعتقاداته الدينية المريضة وأوامر ربانية أتته من السماء!

لكنك يجب أن تعرف بأن بلدك العظيم الذي ترأسه، يحمل على عاتقه كاهل الحروب المدمره ونهب الثروات، فرض السيطرة الاقتصادية والتبعية السياسية على الشعوب الضعيفة والدول النامية، من كوبا لفنزويلا إلى تشيلي وبنما، مرورًا بالسودان، حتى العراق والخليج وأفغانستان وفيتنام. أذكرك أيضًا إن نسيت أو تناسيت، بأنّ شعوبًا سُرقت أحلامها بالنهضة والتقدم، ببناء الدولة الناجحة على غرار ومقاييس دولتكم ودول الغرب الأوروبي المتحضر، لن تنسَ حجم التآمر الممارس من دولتكم العظمى عليها بهدف إبقائها دولًا فاشلة، تخضع للاستبداد والابتزاز، تغرق بأعماق الفقر والجهل والمرض، كي تبقى قوى الإمبريالية العظمى تسيطر وتنهب وتسرق، وتفرض قراراتها بقوتها وترسانتها المتوحشة على الآخرين.

صبرا وشاتيلا، دير ياسين، كفر قاسم، بحر البقر، قانا، حي الشجاعية، هذه سيدي إن لم تسمع بها مجازر ارتكبتها حليفتكم الإستراتيجية إسرائيل، عبر ستة عقود من البطش والقتل، بدعمكم الاقتصادي لها وقرارات الفيتو المتراكمة لحمايتها من تحمل مسؤولية جرائمها، ذلك منذ وافقتم على تكوينها الدولي وشرعنتموه باعترافاتكم بها كدولة تأسست على أنقاض فلسطين، بعدما قتلت شعبها وشردته في الشتات.

أكررها لك سيدي مرة أخرى، لست هنا في صدد إعطائك المواعظ، أو لأتهمك بازدواجية معايير ونفاق سياسي، وذرف دموع التماسيح على ضحايا جرائم انتشار السلاح في المجتمع الأمريكي، رأيتك صادقًا في إبداء حزنك كإنسان، وخوفك على مصير أطفالك وأطفال الأمريكيين كأب.

لكني أطمع في لحظة تأجج مشاعرك الإنسانيه تلك، بالتفاتة لمعاناة أطفال آخرين في ما بقي من سوريا، لجوعهم في مضايا، لأشلائهم في حلب وإدلب ودوما، لجثثهم الغرقى على بحر إيجه بحثًا عن مواطن جديده آمنة في ربوع حضارتكم ورأسماليتكم المؤنسَنة. أنا هنا لست أشكك في إنسانيتك، معاذ الله، أفهم مداها وعمقها، لكني أستعطفك، أرجوك، آمل، قبل نهاية ولايتك المشارفة أن تحرك قانونًا دوليًا – وجب اتخاذه منذ سنوات – يحميهم من الموت في الحروب، يخلق لهم في أوطانهم مساحات آمنه للعيش، يوفر لهم الغذاء والدواء، يبعد عنهم مجرمي الحرب والاستبداد المحليين في أوطانهم، التي كثر فيها القتَلة، وتفرخت منها ميليشيات الإرهاب والرؤوس المقطوعة والرقيق الجنسي.

سيدي الرئيس أوباما لست أزايد عليك، رغم كل سياستك الضبابية المترددة تجاه مقتلة السوريين، لكني أتحدث إليك من منطلق جمعي لأمة عربية لا تخلو من التناقضات والمظالم، فنحن سيدي أمة ليست بالنقاء المدّعى، نحن مثل أمريكا تمامًا ندعو لتقوى الله ونفسنا مقصرة، نبكي على دماء مسفوكة وكرامات مهدورة، لكن بكاءنا يكاد ينسخ بكاء قواكم المستعمرة، يتماهى معه في الاستثمار الرخيص للدم، كي تتحقق أجندات هنا وهناك.

نحن لا نتورع عن كل ممارسات الإمبريالية المتوحشة، بل نتفوق عليها ونمتاز، نحن شعوب تحكمها العصبية المذهبية/القبلية، والتبعية للمستبد، نقبله بكل أثوابه المختلفه، ببزة عسكريه، أو عباءة دين وورع زائف. نحن نمارس التكفير والتخوين، المنتهيان حتمًا نحو شرعنة القتل والموت. نحن أمة لا تملك الرؤيا في شيء، ولا القدرة على تحقيق أي شيء، سوى القدره على التقتيل والاستبداد والنهب ومصادرة الحريات والأفكار. نحن شعوب محطمه، ممزقة ما زالت تقتتل في معركة جَمَل بدأت قبل ١٣ قرنًا ولما تنتهي بعد. نحن أمة تكره حضارتكم وتحتقرها لكنها تلهث لتحظى بشرف المواطنة فيها.

لذلك أنا هنا سيدي الرئيس لست أعاتبك، كل ما أطلبه منك في ذروة مشاعرك تجاه أبرياء قُتلوا بفوضى السلاح في وطنك، مجرد التفاتة نحو مآسٍ ومقتلاتٍ لم تعد تُحتمل تسود أرضنا وأوطاننا. نحو دمائنا نسفكها بأيدينا ونعلقها على شماعة مؤامراتكم. هو رجاء يحدوه الأمل، سيدي الريس أوباما، أن تنقذنا من أنفسنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست