نشر فى : الإثنين 25 يناير 2016 - 12:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 25 يناير 2016 - 12:00 ص

نتابع اليوم مجموعة العوامل الداخلية للطريق الرابع، ودراسة علاقته بالمجتمع الدولى الذى يواصل طريقه حثيثا نحو ترابط عالمى، يبنيه بدفع الثورة التكنولوجية التى تشكل الطور الثالث من الأطوار الثلاثة طويلة الأجل: أولها طور القطاعات الأولية، الزراعة والاستخراج، معتمدا على موارد مستمدة من هبات طبيعية، وثانيها طور القطاعات الثانوية الذى طغت فيه المواد المصنعة لتتقدم الصناعة عبر مراحل ثلاث وفق القوى المحركة: البخار فالكهرباء فالأتمتة المعتمدة على الإلكترونيات، ثم تصاعد المعرفة الفنية المضمنة فى المنتجات الرأسمالية، إلى القطاعات الثالثية وجوهرها الخدمات التى تشكل الطور الثالث الذى خلص نشاط الإنسان من قيدين: قيد حجم الموارد المادية سواء كهبات طبيعية أو تراكم رأسمالى سابق، والقيد الزمنى، إذ يتوصل الفكر الإنسانى لمعرفة تضيف إلى المستقبل ابتكارات وإبداعا، يستحدث واقعا مستقبليا غير مسبوق، فيضيف معرفة تشكل القوة الموجهة لمواصلة التقدم نحو المجهول. ويترتب على هذا بدوره ثلاثة أمور: الأول هو تبادل المواقع بين الشباب الذين كان دورهم هو الوقوف فى طوابير البحث عن فرصة عمل فى منشآت يديرها أرباب الأعمال، إذ يطرح من يمتلكون منهم عقولا متفتحة مجالات جديدة، تفتح للمدخرين فرصا لاستثمار مدخراتهم، وتتيح أمام أرباب الأعمال إمكانات جديدة تمكنهم من ممارسة قدراتهم الإدارية، بما فى ذلك بعض الشبان أنفسهم. الثانى هو أن هذا لم يعن تراجع كبار السن، بل إن هذا التطور ذاته ساهم فى رفع سن التقاعد وزيادة لياقتهم الجسدية والذهنية، كما أن أساليب التعليم والتدريب، التى سنتناولها فيما بعد، اقتضت مواصلة التكيف مع نواح جديدة، الأمر الذى تعاملت معه مصر – بناء على نصائح الصندوق والبنك الدوليين – بإغلاق الأبواب أمامه بدعوتهم إلى التقاعد المبكر ليصبحوا عالة على المجتمع، سواء بالبقاء عاطلين، أو بمنافسة الشبان على فرص العمل المحدودة فيزيدون حجم الفجوة بين الدخل والإنفاق.


أما الأمر الثالث، أو لنقول: المعضلة، هى أن الدعوة للاعتماد على قوى السوق التى يرفع راياتها الطريق الثالث تقوم على جانب العرض فى سوق حرة بدعوى أن ديناميكية السوق تعزز التوسع فى الأنشطة القادرة على «زيادة حجم الكعكة قبل التفكير فى تقسيمها». فالمنتجات المبتكرة، جانب منها يكون فى شكل أبحاث للتسليح فى إطار أبحاث الفضاء، فينافس تمويلها احتياجات الاستثمارات العامة ومتطلبات إعادة توزيع الدخل تحقيقا لما يسمى عدالة اجتماعية. والجانب الآخر يتحمل تكاليف البحوث ذاتها، بما فى ذلك الأدوية ومتطلبات الرعاية الطبية وعلاج المعمرين. ويتخذ هذا مبررا للتغاضى عن تضخم حجم شرائح الدخل العليا، وتبرير دورها فى تشويه هيكل السوق، بحكم تطبيق قاعدة «زواج السلطة بالمال والأعمال» التى أفضت إلى ثورة يناير، وكأننا نبنى طواحين هواء ونصفق لدون كيشوت.
***


ثم ينتهى بنا المطاف إلى دخول مجال «الواقع الافتراضى»، الذى يكاد يلغى الحاجة إلى المواد الملموسة. وقد دخل فعلا فى مجال المسرح ومعارض تصور الحياة لما سبق التاريخ المكتوب، للديناصورات، ويمكن اعتبارها أساسا لنوع مبدع من الفنون، الذى يرتقى مع المشاعر الإنسانية فى سياق التنمية المجتمعية، وتفتح آفاقا جديدة للسياحة. بل إن طرح نظريات علمية كفروض يسعى المتخصصون إلى اختبار صلاحيتها (منها الطريق الرابع ذاته) هو بمثابة تطبيق لهذا المنهج. وأهمية هذا النوع من التفكير أنه يفتح مجالات جديدة أمام أبناء الدول النامية، وتتميز بأنها لا تحتاج كالاستثمار المادى إلى تمويل، بل هى تتحول إلى أداة لخلق أموال تضاف، بما فى ذلك ما قد تجذبه من استثمارات أجنبية، تجلب لملاءمتها للدول النامية التى يجرى الاستثمار فيها، وليس كاختيار لرأسمال أجنبى يحقق ربحا على حسابها، أو يجرى فى سياق نقل تكنولوجيات تقادمت أو لمنشآت ملوثة للبيئة، أو فى سياق ربط تلك الدول كأطراف تابعة لعابرات القوميات. فهذا النوع من المنشآت هو صورة جديدة للتبعية، وعلى الدول النامية التصدى له، وتستعيض عنه بالمشاركة فيما بينها وفق قاعدة الاعتماد الجماعى على النفس. ومن بين الصيغ التى يمكن تطبيقها فيه التعاضد العربى والتعاضد الأفريقى، وعلينا أن نتمعن فى المحاولات التى لهث وراءها مرسى فى فترة استيلائه على الكرسى لربط مصر بمجموعة البريكس، لأن ما جمع بين أعضائها يكاد يصبغها بالصبغة الرأسمالية الشرسة التى تتصف بها دول غربية طبقت الطريق الثالث، بل ويجعلها تسعى إلى بناء شبكة ربما أشد ضررا منها.


وواضح من مناقشة النقاط السابقة مدى الاختلاف بين الطريقين الثالث والرابع. فالثالث يمكن التفكير فيه فى دول قطعت شوطا طويلا على درب التقدم، ومن ثم أمكنها صقل إمكانيات أنساقها التنفيذية، وتوفير الفرص المواتية لصياغة وتنفيذ ومراقبة تنفيذ سياسات اقتصادية تأشيرية يستطيع أرباب الأعمال بناء توقعاتهم على أساسها، ومطمئنين إلى أن حكوماتهم ستسعى إلى تأمين استثماراتهم فى دول لم تبلغ بعد سن الرشد، فإذا بها تحمل مهامَّ مضاعفة: الخدمات العامة اللازمة لإعداد البيئة المحلية المناسبة لمجالات لم تطرقها من قبل، خاصة فى الصناعة والهندسة الوراثية اللازمة للنهوض بالزراعة وللمجالات الصحية، وأساليب التعليم. وتشير تجربة العمل العربى المشترك إلى أن هذا كان من أهم أسباب تعثرها، فخيبت آمال 15 دولة انضمت إلى الجامعة العربية خلال عشرين عاما عقب استقلالها، رغم تعدد المؤسسات والصناديق العربية التى قدمت لها عونا مستمرا، فضلا عن هجرة تواصل تدفقها من دول عربية وجهات أخرى. وعلى الذين يطالبون بقيام الدولة بدور هام بمجرد رفع العلم الوطنى أن يبينوا كيفية تدبير خبرات قادرة على تحمل مسئولية توجيه قطاع أعمال قادر على إدارة شؤون التنمية، وهو مفتقد للقدرة على حسن أداء الأعمال الإدارية ذات الطابع الروتينى، وتنفيذ أنشطة متكررة تتوافر لها كتيبات لخطواتها. ولقد عالجت حكومة ثورة يوليو 52 هذه المشكلة باستدعاء خبراء عالميين وإيفاد بعثات تدريبية وإقامة مراكز للتدريب على الشئون الإدارية العامة وفى الأعمال، وفى الفكر الاشتراكى، وهيئة قوية للاستعلامات، فضلا عن إصدار وترجمة كتب ونشرات وبرامج إذاعية تخاطب مختلف المستويات الثقافية، إلى جانب برامج لمحو الأمية ومجانية التعليم.
***


إلى جانب ذلك تبنى معهد التخطيط القومى منذ نشأته فى أوائل الستينيات بحثا للتخطيط طويل الأجل للقوى العاملة، ربط بين التعليم والعمل، فتلقى عونا من منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية، ومنظمة العمل الدولية والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم وهو ما تراجع فى السبعينيات وتدهور منذ الثمانينيات، خاصة فى الجانب الثقافى، فأصبح مسخا لثقافة منقولة عن الغرب فى المظهر لا الجوهر، أدى لمحو الشخصية المصرية التى بنت أول حضارة فى وادى النيل، وحافظت عليها أمام قوى خارجية توالت إغارتها. وتجمعت هذه الرواسب فأصبحت عائقا أمام إثمار تعليم يجرى التلاعب به، ولابد من نهضة علمية وتعليمية شاملة تراعى أمرين: النهوض بالتعليم ووقايته من أن يصبح رأس حربة للخصخصة بدءا من رياض الأطفال التى تنمى فى الطفل القدرة على التفكير والتعبير لإكساب شعار حرية الرأى مغزى يليق بها، ودعم القدرة على الابتكار والإبداع، ونلاحظ أن دول الطريق الثالث اهتمت بإنشاء وقفيات لدعم قدرات الراغبين فى التخصص فى مجالات يهتم بها القطاع الخاص ليكون جديرا بإدارة التنمية داخل دولها وفى مواطن ترغب فى الاستثمار فيها أو إعداد كوادر تسعى إلى العمل فيعها. والأهم هو أن التعليم أصبح تعليما ذاتيا مستمرا ليواكب التقدم التكنولوجى، وجرى استغلاله بتكاليف باهظة يتحملها الفرد بدعوى أنه سيستفيد منه فى رفع دخله بتحسين وضعه الوظيفى، وقد ساهمت نظم التعليم بالمراسلة فى ظل مجتمع المعلومات. ويرد هنا توجيه عناية خاصة بتعليم الإناث لتمكينهن من أداء دور مناسب فى البيوت ودور التعليم.