منذ 11 دقيقة، 27 يناير,2016

خصصت الأمم المتحدة السابع والعشرين من يناير في كل عام لإحياء ذكرى ضحايا الهولوكوست من اليهود الذين قتلوا على يد النازيين في غرف الغاز خلال أربعينيات القرن الماضي. ورغم الجدل الكبير الدائر حول الأرقام الحقيقية لضحايا المحرقة، إلا أن كتاب عالم الاجتماع اليهودي، بولندي المولد، زيغمونت باومان، والمعنون بـ “الحداثة والهولوكوست” يقدم طرحًا فريدًا حول ماهية المحرقة وكيف نشأت ولماذا سمحت الحضارة الغربية لها بالوقوع، أو على الأقل تغاضت عنها؟ وأيًا كان عدد ضحايا الهولوكوست، مليون شخص أو ٦ ملايين أو أكثر أو أقل، إلا أن الحقيقة الثابتة هي أن إسرائيل اليوم أجادت استغلال الهولوكوست في ابتزاز العالم للسكوت عن فظائعها.

على عكس المألوف، ينظّر كتاب “الحداثة والهولوكوست” لفكرة رئيسة تقول بأن المحرقة اليهودية كانت نتاجًا طبيعيًا وابنًا شرعيًا للنظام الحداثي ومؤسساته البيروقراطية المجرَّدة من الأخلاق. فهو لا يرى الهولوكوست على أنها لحظة فارقة انحرفت فيها أوروبا عن قيمها ومنظومتها الحداثية، ولا يعتبرها ورمًا سرطانيًا نما على حين غفلة في الجسم السليم للمجتمع الغربي، إنما هي أحد تجلّيات الوجه الآخر للمجتمع الحديث الذي نرفض أن نراه ونخاف من مجرد التفكير بوجوده. يرى الكاتب أن حالة الإنكار هذه هي من جعلت جميع أدبيات الهولوكوست تُبحر كثيرًا في جدليات أرقام الضحايا ويوميات معسكرات الإبادة، متناسيًا الإجابة عن سؤال: لماذا وقعت الهولوكوست وما سياقها التاريخي والاجتماعي؟ وهل سنلعب من جديد دور الجناة في هولوكوست آخر؟

يستهلّ الكتاب عرضه بالإجابة عن سؤال: لماذا حظيت الهولوكوست بهذا الاهتمام الكاسح دونًا عن غيرها من جرائم الإمبريالية الغربية؟ فيعلّل بأن الهولوكوست كانت أول مذبحة يقترفها الغرب داخل أوروبا وليس في دول العالم الثالث. ثم يعرّج إلى القدرات الصهيونية الفائقة التي نجحت باستثمار الهولوكوست لابتزاز الغرب من أجل شرعنة وجود إسرائيل، وتناسي ما يقرب من ١٥ مليون إنسان قتلهم هتلر بينهم المرضى والضعفاء والشواذ. ويقتبس الكاتب القول الذي يرى بأنه قد آن لإسرائيل أن تقف على أقدامها لا على أقدام ٦ ملايين يهودي من ضحايا المحرقة.

يبرع باومان، وهو من أبرز علماء الاجتماع؛ بالتدليل على فكرته بأن الهولوكوست كانت الابن الشرعي للحداثة الغربية، وبأن المؤسسات البيروقراطية والعلمية كانت هي الأداة الأبرز لتنفيذ عملية الإبادة، لا مشاعر الحقد أو الكراهية ضد اليهود.. ويدلل على ذلك بسلسلة من الاستشهادات:

  • لأن هتلر كان مهووسًا بالنقاء العرقي، جاء السبب الرئيس لعدائه مع اليهود لأنهم انحدروا من أعراق متنوعة وتكتّلوا على بعضهم وفقًا لعامل الدين، فاعتبروا مُناقضين في جوهر وجودهم للدولة القومية النقية. صنف هتلر كلًا من اليهود ومعهم جملة من المرضى والضعفاء والشواذ باعتبارهم أعداءً داخليين للدولة الألمانية العظيمة ذات العرق النقي والتفوق الحضاري. وأراد التخلص منهم لتحقيق التجانس والتفوق المنشود.
  • كان معظم من شارك في عمليات الإبادة الممنهجة ضد اليهود وغيرهم من الضحايا أناسًا أسوياء تمامًا، لكنّ المؤسسة البيروقراطية لعبت على وتر قتل الوازع الأخلاقي لديهم من أجل تطويعهم لأداء مهمة الإبادة. هذا التطويع تمّ من خلال تفويض استخدام العنف من خلال الأوامر الرسمية الصارمة، وتوزيع الأدوار في العمل الإجرامي بحيث يفقد القتلة تواصلهم الشخصي مع الضحايا، وهنا ظهرت عبارة “أنا عبد المأمور”. وصدق من قال: “يجب الحذر ممن يطيعون القانون أكثر ممن ينتهكونه”. فقد كشف الهولوكوست أن أبشع الجرائم لا تنتج عن كسر النظام إنما عن اتباعه بصرامة وبدون أخطاء.
  • عزل النازيون القتلة عن الضحايا عزلًا تامًا من خلال اختراع غرف الغاز التي كانت تقتل عشرات الضحايا لكنها في نفس الوقت تختزل دور “القاتل” إلى دور “عامل تقني” لا يفعل شيئًا سوى أنه يفتح أنبوبًا كيماويًا إلى شق في جدار غرفة محكمة الإغلاق! وهذا تمامًا ما تفعله الحروب الحداثية اليوم، فطالما لا يرى المقاتل الآثار الواقعية لأفعاله على الإنسان، فمن غير الوارد أن يعيش صراعًا أخلاقيًا، وإن عاشه فمن الأرجح أن يكون صراعًا صامتًا.
  • نجحت النازية في قتل الوازع الأخلاقي لدى الجمهور الألماني الذي لم يكترث لإبادة اليهود وبقي في عمومه متفرجًا، وذلك من خلال تصوير اليهودي على أنه ذلك “الآخر” المجرّد من صفاته الإنسانية. ولتحقيق أقصى نتيجة تم عزل اليهود لسنوات في “الجيتو”.
  • شهدت سنوات المحرقة تعاونًا من بعض الطبقات اليهودية مع النازيين في عمليات جمع اليهود واقتيادهم نحو حتفهم في غرف الغاز. وقد جعل النازيون اليهود يشاركون في حفر قبورهم بأنفسهم عبر إيهام البعض بأن فرصًا للنجاة قد تكون متاحة لـ“اليهودي المتميز” الذي يطيع الأوامر أو يساعد النازية عبر حرفة أو علم يمتلكه. وعبر هذه الفتنة صار بعض اليهود يُنظّرون لفكرة العمالة للنازية من باب أخف الضررين أو إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأرواح، أو بمعنى آخر أن أقتل أخي حتى أعيش. هذا المقطع تحديدًا من الكتاب يذكرنا بفيلمThe hunger games الذي استند إلى فكرة سيكولوجية شبيهة للغاية.
  • تطرق الكتاب لتجربة “ميلغرام” الشهيرة في علم الاجتماع، التي يوضع فيها فريقان من المتطوعين كل في غرفة منفصلة تمامًا ويطلب منفّذ التجربة من المتطوعين ضرب شحنات كهربائية متصاعدة الشدة للمتطوعين خلف الجدار عن كل إجابة خاطئة يقدّمونها. ويعتقد الكاتب هنا أن هذه التجربة أثبتت ما يذهب إليه من كون الوحشية ترتبط ارتباطا ضعيفا بالسمات الشخصية للجناة، لكنها ترتبط ارتباطا قويا بعلاقة السلطة والمرؤوسية وأنها جزء لا يتجزأ من طاعة المنظومة السلطوية. ولأن الجاني والضحية كانا يقبعان في غرف منفصلة، فهذا تأكيد آخر على أن اللا إنسانية أحد التوابع الناتجة عن التباعد الاجتماعي الذي تخلقه طبيعة الحياة الحداثية.
  • يختم باومان، وهو يهودي من أصل بولندي؛ بأن الميراث التدميري الأخطر للهولوكوست يتمثل في الابتزاز الذي تمارسه إسرائيل والصهيونية للعالم، فهي اعتبرت نفسها وريثة ضحايا المحرقة وأعطت نفسها الحق في أن ترتكب ما تشاء بحجة منع محرقة جديدة ضدها. كما نجحت في ابتزاز الغرب وأجبرته على ألا يرى في تصرفاتها ما يتناقض مع المنظومة الأخلاقية العالمية.

وبعد هذا العرض.. أوصي بشدة بقراءة الكتاب؛ فهو سيغيّر الكثير من مفاهيمنا حول قضايا: الهولوكوست، الحداثة، السلطوية، سيكولوجيا التعذيب، والوحشية.. ورغم أنه يغرق ببعض التفاصيل الصغيرة في علم الاجتماع التي قد تستصعب على غير المتخصصين، لكنه كتاب يستحق الصبر والقراءة بجدارة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست