نشر فى : الأحد 24 يناير 2016 - 11:55 م | آخر تحديث : الأحد 24 يناير 2016 - 11:55 م

الحق فى التمرد مكفول لكل جيل جديد بقوانين الحياة.


بعض التمرد غضب مجانى وبعضه الآخر يصنع التاريخ.


كيمياء التاريخ لا تعرف المعامل المعقمة وفق معادلات معدة سلفا.


تلك حقيقة يستحيل المجادلة فيها.


مصادرة الحق فى التمرد تفضى مباشرة إلى جمود لا يحتمل فى الفكر والروح والخيال وتقويض أى أمل فى المستقبل.


ليس من حق أى جيل، أيا كان إسهامه فى تاريخ بلاده، أن يحجب عن الأجيال التالية حقها فى الخروج عن المألوف والمعروف والموصوف.


لا يستطيع أحد أن «يفرمل» التاريخ عند لحظة لا يتعداها وتجربة لا يتجاوزها.


هذا وهم كامل.


كما لا يستطيع أحد أن يلغى خبرة الماضى بجرة قلم، كأنه لم يكن.


هذا وهم كامل آخر.


فى الفجوة بين الوهمين تتأكد أهمية الإصغاء، بلا تعالٍ إلى نداء المستقبل والحوار بلا وصاية مع الأجيال الجديدة.


عقدة كل الأجيال الشابة بأى مكان فى العالم النظر إليها من فوق وإملاء الأحكام النهائية عليها كآلهة الأوليمب فى الأساطير الإغريقية.


يبدو أحيانا أننا لا نقرأ التاريخ ولا نعرف شيئا عن الحوار مع الشباب.


من الشروط الأساسية لأى نجاح ممكن فى مثل هذه الحوارات الصعبة الدخول مباشرة إلى صلب الأزمة.


هناك شعور عميق شبه جماعى لدى الأجيال الجديدة بالخذلان، واعتقاد جازم بأن تضحياتهم الهائلة سُرقت مرتين.


الأولى، من جماعة الإخوان المسلمين.. والثانية، من أشباح الماضى.


الاستنتاج الأخير متعجل فى قراءة التاريخ ودروسه وحقائق «الشرعية الدستورية».


للخذلان تجلياته على شبكة التواصل الاجتماعى، والغضب عنوان لا تخطئه عين على الوجوه.


فى سبعينيات القرن الماضى انتهج جيلها العنوان نفسه.


‫تصدرت روحه العامة شعارا لأديب سكندرى: «نحن جيل بلا أساتذة».‬‬‬


لم يكن ذلك صحيحا، فلا جيل يبدأ من فراغ كأنه فى طلاق مع أسلافه من سياسيين ومفكرين ومثقفين.‬


الشعار فى توقيته عبّر عن ذروة الغضب من كل ما حوله وكل ما قبله.


فى تاريخ الثورات المصرية الحديثة حدث شىء من ذلك، فكل ثورة قللت من قيمة ما قبلها، كأنها ولدت فجأة لتبدأ التاريخ من جديد.


مال بعض جماعات شباب «يناير» إلى تكرار الخطأ نفسه فى نفى صلتها بـ«يوليو» دون إدراك مغزى رفع صور «جمال عبدالناصر» فى التظاهرات الشعبية بلا تكلف أو اصطناع.


لم يسعوا إلى الاستماع إلى نبض الناس العاديين الذين كانوا القوة الضاربة فى إطاحة حكم «حسنى مبارك».


غير أن ذلك لا يلغى قيمة الدور الهائل الذى لعبوه فى الاستجابة لمتطلبات اللحظة التاريخية.


لامس تمردهم أسباب الثورة فتجلت الإرادة العامة فى التغيير.


إلهام التغيير صنعته مظالم لا تحتمل من نظام فقد صلته بعصره وجرف موارد مجتمعه وتصور أن بوسعه توريث الجمهورية من الأب إلى نجله الأصغر.


لكل ثورة أسباب تمردها، فـ«الثورة العرابية» تعبير عن الضيق البالغ بالتمييز ضد المصريين.


صرخة زعيمها «أحمد عرابى»: «لقد ولدتنا أمهاتنا أحرارا» عبّرت عن شىء جوهرى يكاد يولد أجهضه الاحتلال البريطانى عام (١٨٨٢).


بذات القدر عبرت صرخات مماثلة للزعيم الشاب «مصطفى كامل» بعد نحو عقدين من الهزيمة عن ميلاد الحركة الوطنية المصرية المعاصرة.


فى حركة «مصطفى كامل» تمهيد تاريخى لا شك فيه لـ«ثورة ١٩١٩» التى جاءت استجابة لحقائق ما بعد الحرب العالمية الأولى ونداءات حق تقرير المصير.


كانت الثورة بقيادة «سعد زغلول» طلاقا نهائيا مع «العثمانية» وتوجها لدخول العصور الجديدة بهدفى «الاستقلال» و«الدستور».


كما كانت ثورة «يوليو» التى قادها «جمال عبدالناصر» استجابة أخرى لحقائق ما بعد الحرب العالمية الثانية فى طلب الاستقلال الوطنى والعدل الاجتماعى.


الثورة تمرد على السياق العام وتحدٍ للسائد والمألوف من سياسات متبعة وأوضاع تبدو مستقرة.


وقد كانت «يناير» خروجا كاملا عن السياق وتمردا على الدولة والسلطة والمعارضة المعتمدة.


التمرد هو روح الثورات والثوار متمردون يعرفون أهدافهم ووسائلهم ويخاطبون المواطنون بما يلهم المخيلة ويستدعى التضحية.


بصورة مبهرة نجح ثوار «يناير» فى استدعاء الإلهام إلى الشوارع المفتوحة، كسروا النظام الأسبق لكنهم لم يؤسسوا لأوضاع جديدة تعلن القطيعة مع الماضى.


كانت لحظة الثورة التى تصدروها قبل خمس سنوات ذروة الدور قبل أن تستوفى الرؤى والتصورات نضجها.


وهذه مشكلة لم يتعرض لها جيل آخر.


جيل (١٩٤٦) أخذ وقته فى إنضاج أفكاره وخياراته التى تمردت على السياسات التقليدية بعد أن وصلت إلى حائط مسدود فى طلب الاستقلال بالمفاوضات.


حمل السلاح فى قناة السويس ضد معسكرات الجيش البريطانى، وخرجت المرأة بصورة غير مألوفة للعمل الوطنى، وبدا أن مصر على موعد مع تغيير يعصف بقواعد اللعبة كلها.


ذلك ما حدث بعد ست سنوات فى يوليو (١٩٥٢).


وجيل السبعينيات أخذ وقتا مماثلا فى بلورة شخصيته وذائقته الخاصة التى امتدت إلى الثياب والهيئة العامة.


صنع أطول حركة طلابية فى التاريخ بين عامى (١٩٦٨) أثر النكسة العسكرية و(١٩٧٧) الذى شهد تظاهرات الخبز فى (١٨) و(١٩) يناير التى كادت تطيح حكم الرئيس الأسبق «أنور السادات».


انتفاضة الخبز ثورة ناقصة.


هذه حقيقة يصعب إنكارها.


بمعنى آخر فإن الذين تقدموا الصفوف فى «يناير» يستحقون عن جدارة فرصة كاملة أمام التاريخ.


لم يكن لدى المتمردين الجدد مبادئ فكرية ولا برامج معروفة ولا كادرات أخذت وقتها فى اكتساب الخبرة اللازمة.


وذلك سهّل خطف جوائز الثورة ودخولهم فى دوامات الإحباط المبكر.


فى البدايات وصفت أجيال «يناير» بأنها أفضل أجيال مصر الحديثة قاطبة قبل أن تنعت بكل نقيصة سياسية وجرت لها أبشع عملية اغتيال معنوى.


ما بين المبالغة فى التكريم والتوغل فى التحطيم تفاقمت الكراهيات بين الدولة وشبابها.


كسر الأجيال الجديدة جريمة تاريخية متكاملة الأركان.


ذلك لم يحدث بهذه القسوة مع أى أجيال سابقة فى التاريخ المصرى الحديث رغم كل ما تعرضت له من مضايقات ومحن.


إذا لم يتسع المجال العام وتحترم القيم الدستورية فالاحتواء مستحيل.


وإذا ما جرى الإقصاء بالتنكيل، فالصدام مؤكد.


فى عصر ثورة الاتصالات، الحجر على ما فى الصدور خرافة.


كشأن كل جديد الخيال مختلف والذائقة الفنية جديدة والروح العامة أكثر تمردا من أى أجيال سابقة.


فى إبداعاتهم الأدبية والفنية نزوع قوى لفكرة «الحرية» والتعلق بها كمسألة وجود.


هذه القيمة جوهر أى رهان مستقبلى على بناء دولة حديثة، حرة وعادلة.


فى الانكار صدام مع المستقبل.